بقلم: سعيد ودغيرى حسني
كلما تصفحت مواقع التواصل الاجتماعي، إلا وتحاصرني توقعات قراء الفنجان تارة بصوت هادئ مفعم باليقين وتارة أخرى كصدى غامض يعبر الزمن، مذكرين إيّاي بنزار قباني حين قال: “وقالت لي: إذا أردتَ الرحيلَ… فإليك طُرُقَ النجوم”. قارئة التاروت التي لا أعرف في أي أرض نبتت والكثير من الموقّعين والمتوقعات، يملأون الأثير ينثرون خيوط المستقبل بلمسات تبدو وكأنها تميمة سحرية أو قصيدة منسية.
ولكن هل تكفي هذه الخيوط الواهية لنسج حكاية الغد؟ وهل يختبئ سرّ المستقبل في خطوط القهوة أو خرائط النجوم؟
الرحلة إلى جذور التنجيم: حين كان السحر علماً
في عمق الحضارات القديمة، حيث كان الليل سجادة سوداء مزينة بنجوم لامعة، بدأ الإنسان رحلته مع الكون. تأمل المصريون القدماء السماء فرسموا أبراجها في معابدهم، وأقاموا معارفهم الفلكية على حركات النجوم التي كانت لهم دليلًا للمواسم والزراعة. وفي بابل وقف الكهنة على شرفات الزقورات يكتبون على ألواح الطين رسائل السماء الموجهة إلى الأرض.
لم يكن علم الفلك في تلك العصور مجرد وسيلة لفهم الكون، بل امتزج بالسحر والتنجيم. في تلك الأزمنة كان الإنسان يبحث عن معنى وجوده في موقع كل نجم ويؤمن أن حركته تحمل إشارات غيبية كأن الكون لوحة إلهية مفعمة بالرموز.
بين حضارة الماضي ومستقبليات اليوم
حين ننتقل من بابل ومصر القديمة إلى عصرنا الحديث، نجد أن علم الفلك تخلّص من عباءة السحر وتحوّل إلى علم يقرأ أسرار الكون بلغة الرياضيات والفيزياء. أما التنجيم، فبقي رهين الخرافة والأساطير يشعل فضول البشر، لكنه لا يحمل سوى انعكاسات مشاعرهم وهواجسهم.
على الجانب الآخر ظهر علم المستقبليات هذا العلم الذي لا ينظر في فنجان ولا يرسم خرائط سماوية بل يبني تصوراته عن الغد بناءً على تحليل الحاضر، واستشراف الاتجاهات الكبرى في التكنولوجيا، والاقتصاد والمجتمع. علم المستقبليات هو لغة الأرقام والبيانات، لكن فيه شيئًا من الشعر، إذ يرسم للإنسان أحلامه الممكنة ويحثّه على ابتكارها.
لماذا نحب التوقعات؟
بين قارئة الفنجان وحسابات المستقبليين يظل سؤال الإنسان الأزلي حاضرًا: ماذا يخبئ لي الغد؟ نحن كائنات تعشق المجهول، ليس لأننا نخافه فقط، بل لأن فيه وعدًا بالاحتمالات. كأننا نبحث عن قصيدة جديدة لم تكتب بعد، أو لوحة لم تكتمل ألوانها.
لكن المفارقة أننا غالبًا نهرب إلى البساطة. فنفضل قارئة التاروت على العلماء لأن الأولى تعطينا الإجابات السريعة التي تروي عطشنا العاطفي، بينما يطلب منا العلم الجهد والصبر لفهم الحقائق.
لغة شاعرية بين الماضي والمستقبل
تصوّر معي: لو عادت قارئة الفنجان من بابل، وجلست بجوار مستقبليّ حديث ماذا ستقول؟ الأولى ستهمس بحكايات الحب والفقد وسترى في فنجان القهوة غابات من الأحلام والآلام. والثاني سيحدثك بلغة صامتة عن البيانات وعن احتمالات الغد في عوالم الذكاء الاصطناعي والمجرات البعيدة.
لكن بينهما يقف الشاعر هو وحده من يستطيع أن يصل بين العالمين إذ يرى في النجوم قصائد وفي البيانات رؤى ويكتب للمستقبل بروح الماضي، كأنه يستحضر الزمن في يد ويبعثره في يد أخرى.
زبدة القول: النجوم ليست جوابًا بل سؤالًا
أمام اتساع السماء وامتداد الزمن تظل النجوم شاهدًا صامتًا على حيرتنا. ليست هي الجواب، بل هي السؤال. بين قارئة الفنجان وعالم الفلك، وبين التنجيم والمستقبليات، يبقى الإنسان شاعرًا يكتب مصيره بيديه تاركًا للكون أن يكون رفيقًا لا سيدًا.
المستقبل ليس نجمة تلمع في البعيد، بل هو قصيدة تنتظر من يجرؤ على كتابتها. فهل نكتفي بقراءة فناجين الأمس أم نصنع فناجيننا بأيدينا

