كتب/ أحمد أكلكيم
منذ تصاعد التوترات بين إسرائيل وإيران، تشهد الساحة الإعلامية الإسرائيلية تعبئة غير مسبوقة تُوظف فيها كافة الأدوات الاتصالية، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية (الإذاعة، التلفزيون، الصحافة المكتوبة)، أو الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي. وتندرج هذه الحملات ضمن استراتيجية سوسيو-إعلامية محكمة تهدف إلى تهيئة الرأي العام الداخلي الإسرائيلي نفسياً واجتماعياً لتقبل الحرب باعتبارها “حربًا مصيرية” ضد تهديد وجودي يتمثل في إيران، خصوصاً في ظل تفاقم الحديث عن قدراتها النووية.
المقاربة السوسيو-إعلامية للحرب كمشروع جماعي
تستند إسرائيل في حملاتها الإعلامية إلى ما يعرف في علم الاجتماع الإعلامي بنظرية “تصنيع القبول الجماهيري”، إذ توظف الخطاب السياسي الرسمي والإعلامي لصياغة سردية تتقاطع فيها القيم الأمنية مع الأبعاد الوجودية. في هذا السياق، تُقدّم إيران ليس فقط كعدو سياسي أو جيوسياسي، بل كتهديد “وجودي” للدولة العبرية، مما يضفي على الحرب ضدها طابعًا عقائديًا شبه مقدّس.
أدوات التعبئة والإقناع عبر الإعلام التقليدي
الإعلام الرسمي الإسرائيلي، وخاصة القنوات التلفزيونية مثل “كان” و**“القناة 12”**، يلعب دورًا محوريًا في بث محتوى إخباري وتحليلي مكثف، يتم فيه تسليط الضوء على ما يُوصف بـ”التهديد النووي الإيراني”، مع إبراز الخطابات السياسية للقيادات الإسرائيلية التي تشدد على ضرورة التحلي بالصبر، لأن النصر “يتطلب وقتاً وتضحيات”. تُوظف تقارير ميدانية، لقاءات مع جنود، شهادات لخبراء أمنيين، وأفلام وثائقية قصيرة تُعيد رسم تاريخ العلاقة العدائية بين طهران وتل أبيب.
وسائل التواصل الاجتماعي: الفضاء البديل للتأثير العاطفي
أما على صعيد الإعلام الرقمي، فتستثمر الدولة الإسرائيلية حسابات رسمية وشبه رسمية على تويتر، فيسبوك، تيك توك، وإنستغرام، لتوسيع رقعة التفاعل، لا سيما مع الأجيال الشابة. تروج هذه المنصات لسرديات الحرب من خلال مقاطع مرئية قصيرة (reels, shorts)، تستخدم فيها موسيقى ملحمية، ورموز وطنية، وأحياناً لغة عاطفية تخاطب الحس الجمعي، مثل: “من أجل أطفالنا”، “لن نسمح لإيران بإبادة إسرائيل”. وتُستعمل الوسوم (hashtags) مثل #حرب_البقاء أو #أوقفوا_إيران، لإضفاء طابع عالمي على الصراع.
الحرب كواجب أخلاقي وطني
يعمل الإعلام الإسرائيلي، ضمن هذه الحملة، على إعادة إنتاج الحرب بوصفها واجباً أخلاقياً لا مفر منه، ويُصوَّر الصبر الشعبي والدعم للجيش كجزء من “العقيدة الصهيونية”. ويتم في هذا السياق تغييب الخطاب المناهض للحرب أو التشكيك في جدواها، بل يُتهم كل صوت معارض بأنه يضر بـ”الجبهة الداخلية” أو يخدم “الدعاية الإيرانية”.
إسكات القلق الجماهيري وتوجيهه نحو الأمل
رغم التكاليف البشرية والاقتصادية المحتملة للحرب، تعمل الحملة الإعلامية الإسرائيلية على تحويل القلق الجماهيري إلى “أمل” بالنصر، من خلال بث تقارير عن مدى استعداد الجيش، وفعالية منظومات الدفاع مثل “القبة الحديدية”، والتأكيد على الدعم الأمريكي والغربي لإسرائيل في حال تفجر نزاع واسع النطاق.
إيران كقوة نووية: صناعة الفزاعة النووية
تقوم السردية المركزية للحملة على التهويل من البرنامج النووي الإيراني، حيث يُصور كخطر داهم لا يهدد إسرائيل فحسب، بل العالم برمته. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى تبرير أي عمل عسكري استباقي ضد إيران على المستويين الداخلي والخارجي، وجعله يبدو كـ”حل لا بديل له” لإزالة الخطر النووي.
تُظهر المقاربة السوسيو-إعلامية للحملة الإسرائيلية ضد إيران كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى أداة لإنتاج المعنى الجماعي وتوجيه السلوك الشعبي، في خدمة أهداف سياسية وعسكرية بعيدة المدى. فالحرب، من خلال هذه العدسة، ليست فقط صراعاً على الأرض، بل أيضاً معركة على الوعي، تُخاض بالكلمات والصور والمشاعر، لتعبئة مجتمع كامل نحو “نهاية واحدة”: كسر شوكة إيران وتثبيت أمن إسرائيل ضمن خارطة شرق أوسط يُراد له أن يُعاد تشكيله بالقوة

