سعيد ودغيري حسني
ماذا يجرى يا عالم.
أينما وليت وجهي وسمعي إلا أسمع أصوات الحرب والدمار.
أرى الخراب يزحف في الأزقة والقلوب تحمل كل يوم رسالة قاسية.
وقلبي يضيق من ثقل الأخبار.
وروحي تهتز بين خوف من الغد وحنين إلى ما كان.
وإذا أردت أن أهدأ أفتح بوابة الزمن الجميل.
أفتحها على صوت أم كلثوم حيث كل كلمة مجرة.
كل نغمة تحمل حكاية، كل كلمة تتأرجح بين الحزن والفرح، بين الذكرى والأمل.
أعود إلى محمد عبد الوهاب، صانع المعجزات، الذي جعل اللحن يهمس في القلب قبل الأذن.
أراه يحمل الآلة الموسيقية وكأنها امتداد لروحه، يطرب العيون قبل الآذان.
وأغاني أحمد البيضاوي، التي تشبه النسيم فوق النهر الصافي، تلامس الحنين، تدفع النفس نحو الصفاء.
عبد الوهاب الدكالي، عبد الهادي بلخياط، الحيانى، بوشعيب البيضاوي، عبد الرؤوف، وبزيز، وباز، كل واحد منهم مجرة، يضيء السماء بنجمه الخاص، يترك أثره في القلب قبل الآذان.
أسترجع لحظات السهر الطويلة بين مقطوعاتهم، حين كانت الموسيقى تتنفس في كل بيت، حين كان كل صوت يروي قصة، وكل لحن يصبح رحلة.
وأتذكر ليالي الطرب، عندما كان مسرح الحي يفيض بالجمهور، صغارًا وكبارًا، عيونهم تلمع بالشوق، آذانهم تستمع لكل همسة موسيقية.
عاجل عبد الإله وعبد الخالق فهيد نجوم الزهرة، حسن فلان، سعيد لهليل، الداسوكين، كلهم مجرة على المجرة.
حتى إسماعيل ياسين وشارلي شابلن، رغم مرور السنين، يزيحون عن قلبي غبار هذا الزمن الثقيل يعيدون البسمة إلى الروح.
وأعود إلى الغابة التي يقول عنها المغاربة ويتغنون بها: مال الغابة مقلقة.
أود أن أقفز بين الأشجار وأوقف الزمن.
رغم أنها وصلها صهد زمن الدرون والمنشار الرقمي.
لم تبقَ كما تغنى بها عبد الوهاب الدكالي إلا شمعة تبكي على ما ضاع مني.
شمعة صغيرة تتذكر أيامًا كان فيها الفن ملاذًا واللحن حياة.
وأتذكر فن العيطة، صوت الجبال والصحراء، الصرخة التي تحمل الحزن والفرح معًا، صوت الشعب وتاريخ الأرض.
وأتذكر قصائد الملحون، الشعر المنظوم الحي، كل بيت مجرة، كل كلمة نغمة، وكل حكاية تحمل حكمة وفلسفة شعب.
وطرب الأندلسي، الذي ينسج بين اللحن والكلمة، بين الحنين والمهارة، يجعل القلب يسبح في بحر من الأصوات والذكريات.
وأتذكر أسماء الفنّانات العظيمة: نعيمة سميح، حياة الإدريسي، غيته بن عبد السلام، رجاء بلمليح، اسمهان، عليا التونسية، عزيزة جلال، شريفة فاضل، نجاة الصغيرة.
والنجوم القدماء: حمادى عمور، بلقاس عبد الجبار الوزير، بوزوبع، بيرو، شقارة القرفطي، صاحب الطقطقة الجبلية، صباح فخري، وديع الصافي، عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، محمد فوزي.
كلهم مجرات، يضيئون سماء الحنين، يمسحون الغبار عن الروح، يعيدون الماضي الجميل إلى الحاضر.
وأغانيهم الخالدة مثل “في أيظن أني لعبة بين يديه”، “وحياتك يا شيخ مسعود”، تجلس على قلبك وتظل هناك، تذكرك بعظمة الزمن الجميل.
ولا ننسى جيل الشعراء القدماء: الطيب لعلج، الحداني، عبد الرفيع الجواهر، الكنوني، سباطة.
كلماتهم كانت ألحانًا قبل أن تصبح كلمات، نغمة قبل أن تصبح بيتًا شعريًا.
هم من جعلوا الفن واللحن والموسيقى تتنفس في كل جملة وكل كلمة.
أعود إلى ليالي الطرب، حيث الجمهور يعيش مع الفنان لحظة بلحظة، يضحك ويبكي مع كل نغمة.
فن العيطة يصيح من الجبال، قصائد الملحون تنطق بالشجن والحكمة، والطرب الأندلسي يجمع بين الحنين والمهارة.
المسرحيات التي كان يحييها مسرح الحي أكثر من عرض، كانت تجربة حياة، حب وفن وشغف لا يموت.
وكم مرة عدت في الذكرى إلى أغانٍ وصوتيات صنعتها أيدي هؤلاء العظماء.
إلى لحظات شعرت فيها بأن الحياة ما زالت جميلة.
وأن الفن وحده قادر على أن يجعل العالم مكانًا أفضل.
وأن الموسيقى هي اليد التي تمسح الغبار عن الروح.
وتجعل القلب ينبض مرة أخرى.
وتجعل الذكريات تتحرك كأنها حية أمام عيني.
كل فنان ذكرته هو مجرة في السماء.
كل أغنية، كل قصيدة، كل كلمة مجرة تهدي الروح.
هم النجوم التي تضيء قلبي في عتمة هذا الزمن.
هم الحنين الحي الذي يجعل الحياة موسيقى، والفن حلمًا مستمرًا لا ينتهي.
فن العيطة، قصائد الملحون، والطرب الأندلسي يضيفون بعدًا آخر للروح
يجعلون القلب يحلق في فضاءات الماضي الجميل.
عزيزة جلال، الصوت الاسمهاني، صباح فخري، وديع الصافي، عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، محمد فوزي، نجاة الصغيرة، شريفة فاضل، وأغانيهم الخالدة مثل “في أيظن أني لعبة بين يديه” و”وحياتك يا شيخ مسعود”، يضيفون للحلم بعدًا خالدًا، يصنعون من الحنين موسيقى لا تنتهي، ويجعلون كل قلب يعيش الزمن الجميل مرة أخرى.

