سعيد ودغيري حسني
قامت الذكريات تحاصرني وأنا الآن أبلغ السبعين. كنت طفلاً صغيراً أركض في الأزقة الضيقة وأرى الأطفال يحملون الخبز فوق رؤوسهم على اللوح الخشبي المصمم خصيصاً لذلك يسمونه الوصله. كل خطوة كانت رحلة بركة وعطر الحياة.
الأفران القديمة تتغذى بالحطب. النار تتراقص في الداخل والدخان يملأ الأزقة برائحة العجين المخبوز. كل رغيف يخرج محمراً وكأن الشمس أسكنت قلبه. كنا نلمسه بخفة ونقبّله أحياناً كأننا نلمس نعمة السماء ونستشعر البركة في أبسط الأشياء.
الحلوى كانت تُصنع في البيوت بحب وتُحمل إلى الفرن بحذر لتخرج متألقة براقة تسر العيون قبل الألسنة. اللحم يُشوى فوق الحطب ويصبح ذهبياً ويفوح عطراً يملأ الأزقة ويغري الصغار والكبار. السمك خصوصاً السردين، أكلة مفضلة يُطهى في الفرن وتنتشر رائحته كأن البحر نفسه دخل إلى البيوت.
الأطفال يركضون ويضحكون ويحملون الوصله على رؤوسهم ويستمعون إلى صرير الخشب تحت أقدامهم ويرون النار تتلألأ في الفرن ويشعرون أن الحياة كلها في هذه الرحلة الصغيرة. كل رغيف وكل فتة وكل لقمة كانت تحمل قصة وبركة صغيرة لكل من حولها.
كنت أرى في كل زاوية فرحة ودفء ورائحة الخبز في الصباح تلتقي مع ضحكات الأطفال وصوت الماء الجاري على الحجر. كل فرن كان قصيدة والنار كانت نغمة، وكل رغيف يُخرج من الفرن كان يحمل بين طياته سيرة يوم كامل، يروي صبر الأمهات وعناية الجدات ويزرع في القلب معنى الاحترام لكل نعمة صغيرة.
اليوم تغير كل شيء. الأفران القديمة اختفت والحطب أصبح ذكرى والوصله شيء من الماضي والخبز لم يعد يحمل نفس الروح. كل ما تبقى هي الذكريات صور من زمن جميل طعم الخبز الطازج في الفم رائحة الحطب ضحكات الأطفال في الأزقة صوت النار ولمسات الأمهات والجدات على العجين كلها مختبئة في القلب لا تُرى إلا بالحنين.
الخبز شاعر صامت يهمس لنا عن البركة عن الكرم عن الصبر وعن بساطة الحياة التي كانت تكفيها رغيف واحد وفتة حلوى ولحم أو سمكة على نار الفرن ليعرف الإنسان معنى العطاء ومعنى الاحترام لكل نعمة صغيرة.
وهكذا يظل الخبز جسر الذكريات رمز الحب والكرم والطفولة علامة على حياة كانت أبطأ أهدأ لكنها أغنى حياة شعرية تتنفس بين أفران الحطب بين أصابع الأطفال بين ضحكات الأزقة بين كل طعام صنعناه بحب وكل لحظة حملنا فيها الوصله إلى الفرن وكل فتة خبز اقتربت بها الطيور وكل رغيف صار قصيدة صامتة في القلب.
اليوم، أسترجع كل رائحة وأصوات وطعم. أرى النار تتراقص والدخان يملأ الأزقة. أسمع الأطفال يضحكون ويحملون الخبز على رؤوسهم. أرى الحلوى تلمع في الفرن واللحم والسمك يفوح منهما العطر. كل هذا أصبح ذكرى، لكن الذكرى تحمل نفس الدفء نفس البركة نفس الحياة.
الخبز في الماضي كان أكثر من طعام، كان شاعر الحياة، وكان كل رغيف قصيدة وكل فتة حديث عن الكرم والصبر والمحبة والنعمة. وهكذا يبقى الخبز والوصله والفرن والأزقة والطيور والطعم والروائح كلها لوحة حية في القلب، تحرك الماضي في الحاضر وتزرع في الروح سلاماً وحنيناً لا ينتهي.

