نيويورك / عبد الكريم مومن
في مداخلتي مع نادي الطلبة بجامعة نيويورك، حيث تدرس ابنتي العلوم السياسية وتصدرت قائمة الشرف في تخصصها ( قائمة العميد) سنحت لي الفرصة لمشاركة أفكاري حول موضوع حساس ومثير للجدل: صناعة القادة وتفكير الدولة العميقة. في هذا المقال، سأطرح رؤية تحليلية للآليات التي تستخدمها الأنظمة في التحكم بالشعوب وإدارة النخب، عبر بناء منظومة معقدة تهدف إلى ترسيخ السلطة المطلقة.
تقسيم الشعوب: بين الوعي والخضوع
أ- نحن الشعب ( أو الشعوب العليا أمريكا كنموذج) هاته الشعوب تحكم بالمؤسسات داخليا، ولكن تقتبس نموذج الشعوب الأدنى للحكم الامبريالي العالمي.
ب- السمع والطاعة ( الشعوب الأدنى).
نقسم الموضوع لجزئين:
الجزء الأول نتطرق فيه للشعوب الأدنى والخانعة، بينما نخصص الجزء التاني للإمبراطورية الإمبريالية والشعوب الأعلى.
تنطلق كل سلطة من فهم أساسي حول طبيعة الشعوب التي تحكمها. يمكن تقسيم المجتمعات إلى:
- الشعوب الواعية والمتحررة: وهي الفئة التي تدرك واقعها السياسي والاجتماعي، تمتلك وعياً نقدياً وقدرة على التحليل، مما يجعلها أكثر ميلاً للمطالبة بالحقوق والمشاركة في صناعة القرار ويصعب التحكم فيها، بل فقط تمثيلها.
- الشعوب الخانعة وذات الذكاء المنخفض: وهي الفئة التي تُشكل الأغلبية في العديد من الدول، حيث يتم إعدادها منذ الصغر لتقبل الواقع كما هو، دون مساءلة أو تفكير نقدي، مما يجعل السيطرة عليها أكثر سهولة.
الجزء الأول: الشعوب الأدنى أو الخانعة:
لكن قبل البداية نطرح سؤال كيف يتم التحكم بهذه الشعوب؟ هنا يأتي دور توجيه الفكر عبر الإعلام والمعلومة، حيث تُصنع الأفكار، ثم تُوجه العقول وفقاً لمصالح السلطة، وهو ما يبيح للحاكم التعرف على العصا التي سيستعملها لقيادة القطيع.
تسلسل السيطرة: كيف تتحكم الدولة العميقة بالمجتمع؟
- إشغال المواطن عن التفكير والتحليل
تعتمد الأنظمة القوية على إبقاء المواطنين في حالة دائمة من الانشغال، فلا تترك لهم فرصة للتفكير أو مساءلة الواقع. يتحقق ذلك عبر:
- نظام تعليمي هرمي تمييزي: تعليم العامة قائم على التلقي والحفظ دون تحليل، بينما مدارس الخاصة تتمنح النخبة فرصاً للنقاش والمساهمة واتخاذ القرار.
- نظام اقتصادي خانق: يتم ضبط الرواتب بحيث تكفي للمعيشة فقط من راتب لراتب، مما يجعل العامل يفكر دوماً في تأمين احتياجاته اليومية دون أن يتفرغ للمطالب السياسية أو الاجتماعية.
- تشجيع القروض والديون: خلق مجتمع مدين يبقي الأفراد في حالة سعي دائم لكسب العيش واداء القروض والخوف من فقد المنزل والسيارة ، مما يحول دون انخراطهم في أي نشاط سياسي أو احتجاجي.
- نشر الرداءة وترسيخ التخلف
كي يظل المواطن متقبلاً للخضوع، يجب أن يعتاد على مستوى متدنٍ من الفكر والإبداع. ويتم ذلك عبر:
- التسامح مع العنف والجريمة: السماح بانتشار المخدرات والجرائم حتى يشعر المواطن بعدم الأمان ويطلب بنفسه تدخل الدولة، مما يجعل هذا الشعب هو نفسه الذي يطالب الحاكم بسن قوانين زجرية تحد من الحريات وحقوقه.
- تشجيع الثقافة الاستهلاكية السطحية: تسطيح الذوق العام عبر الترويج لمحتوى ترفيهي رديء، وإضعاف الفنون والإبداع الحقيقي عبر وسائل الإعلام وتحقق هدف المواجهة بين المحافظين والحداثيين حتى لا يكون بينهم إنسجام أبدا.
- إهانة المواطن فكرياً ومعنوياً: ترسيخ فكرة أن العامة غير مؤهلين للفكر والتحليل، وأن السلطة وحدها تمتلك المعرفة والحكمة لإدارة الدولة، حتى في توزيع المعونات يثم ذلك بشكل بدائي ومهين للكرامة حتى يظل الحاكم هو الأب الرحيم للابن المطيع.
- تقييد النخبة وتطويقها
على الرغم من أن النخب تتلقى تعليماً مختلفاً، إلا أنها تظل تحت سيطرة الحاكم عبر مجموعة من الآليات:
- الحاكم هو مصدر السلطات ولا يُسأل: يتم ترسيخ فكرة أن القائد لا يُناقش، ولا يُتقاسم النفوذ معه، وأنه وحده القادر على اتخاذ القرارات الكبرى.
- التحكم في المناصب العليا: جميع كبار المسؤولين يُعينون من قبل الحاكم، ويمكن إعفاؤهم دون تبرير، مما يجعلهم في حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار.
- تحديد مجالات نفوذ المنتخبين: يُسمح لهم بالتحرك ضمن نطاق معين، ولا يُعطون الموارد اللازمة لتوسيع تأثيرهم أو نشر أفكارهم، يثم التحكم في نفوذهم، ولا وجود لحزب حاكم بل تحالف أحزاب متحكم فيه بعناية، وقبل كل عملية انتخابية يثم إعادة ترتيب الخريطة لتقليص النفوذ والتحكم فيه.
- السيطرة على النخبة الاقتصادية: حتى رجال الأعمال الكبار يجب أن يخضعوا لنفس القواعد، وأي خروج عن المسار يُواجه بالتشويه الإعلامي، التهم المفبركة، أو المحاسبة القانونية والضريبية، يتم تغيير القوانين لكبح النفوذ الإقتصادي والتحكم فيه وينبغي التحكم في مصادر التمويل والرخص والريع والتصدير والاستيراد.
- الحكم بالخوف وعدم اليقين
تحتاج السلطة إلى ضمان ولاء الجميع عبر نشر جو من الخوف وعدم الاستقرار، حيث يشعر كل فرد أن بقاءه في منصبه أو حتى حريته الشخصية رهن إرادة الحاكم.
لايحكم القائد بالعقل حتى وإن كان ملما وذكيا، بل يستعمل الخبث والمكائد، و عليه كذلك أن يكون مزاجيا وعاطفيا، والهدف هو تغليب هاجس الخوف لدى العامة والخاصة وعدم اليقين، فالقائد عندما يزور مكان أو شخص، يجعل المسؤول والمواطن يشعر بالارتباك والخوف ولا يعرف ماذا سيحصل، وهل هناك رقاب حان قطافها.
- إهانة الجميع لترسيخ الخنوع: ممارسة القمع السياسي والاقتصادي حتى يصبح الخضوع ثقافة مجتمعية، يتقبلها الجميع دون مقاومة.
- تدمير إرث الحاكم السابق: على القائد الجديد أن “يقتل” معنوياً سلفه، حتى لا يعيش في ظله. وهذا ما نراه في التاريخ السياسي، حيث يعمل كل زعيم على إلغاء إنجازات من سبقه، تماماً كما يفعل الأسد عندما يستولي على القطيع، فيقتل أبناء سلفه لضمان الهيمنة المطلقة، لذلك يتخلص من اغلب مساعدي سابقيه، وينعتهم بالمتخلفين والاغبياء وناقصي الذكاء والكفاءة لترسيخ نفسه لذى العامة كأنه هو المخلص.
- استغلال الدين:
- مثل نظرية فرعون: أنا ربكم الأعلى، أو نظرية الخليفة: ظل الله بأرضه والحاكم بأمره. وفي نفس الوقت لا يسمح الحاكم بتقاسم السلطة الدينية مع التابعين، بل ينعتهم بتجار ومستغلي الدين والمنافقين وذلك لتقسيم المجتمع وجعلهم ينفرون منهم ويتعلقون به.
الحاكم والصديق والعدو، الحاكم بالدول الدنيا يتعلم كيفية الاستفاذة من العدو والصديق على قدر المساواة، وهنا تكمن فكرة خلق عدو وخلق قضية وطنية أو قضية أمة، لأن الحاكم عليه ممارسة وظيفته كضامن لاستمرارية الأمة وبالتالي فإختفاء أو عدم وجود عدو أو قضية يتبعه بالتالي سؤال: ما هو دور الحاكم إذن؟ لذلك الاستمرارية مرتبطة بالخوف الذي لابد من وجوده لأنه غريزة إنسانية ضرورية للحياة
خلاصة الجزء الأول: هل من سبيل للتغيير؟
تُظهر هذه الاستراتيجيات كيف أن السلطة تُعيد إنتاج أدواتها باستمرار لضمان استمرارها. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن كسر هذه الحلقة؟
الجواب يختلف باختلاف النظرة:
1- إذا كنت تمارس السلطة أو ترغب بها، فلابد أن تتبع هاته الحلقة لأنها ضرورية، فلا وجود لشيء تالث غير الجنة أو النار.
2- أما إذا كنت مناضل: فاعلم بأن العدالة فيروس معدي وخطير، وسوف يثم القضاء عليك بالتدمير أو بالتحكم والإحتواء.
3- أما إذا كنت من النخبة المطيعة، فعليك أن تتقن لعبة الإستفادة حتى ولو تعرضت للإهانة، لكن اتبع قاعدة ( الإستفاذة القصوى)، لتعويض الإهانة.

