كتب/ احمد اكلكيم
منذ مطلع الألفية الثالثة، ظلّ تعبير “الشرق الأوسط الجديد” يتردد في الأدبيات السياسية والإعلامية، كمشروع طموح لإعادة هندسة جغرافيا الصراعات والسيطرة والنفوذ في المنطقة، وفق رؤية أمريكية إسرائيلية ترمي إلى خلق شرق أوسط “مستقر”، ولكن من منظور يخدم مصالح القوى الغربية وإسرائيل بالدرجة الأولى. غير أن ما بدا حينها كمخطط بعيد المدى، أصبح اليوم واقعًا مأساويًا يُصاغ بالدم والنار، حيث تلعب إسرائيل دورًا متزايدًا في إذكاء الصراعات الإقليمية، كما هو الحال في حربها المتصاعدة مع إيران التي تجري بمعظمها على أراضي دول عربية، لتتحول هذه الدول إلى ساحات تصفية حسابات إقليمية ودولية.
تعود جذور مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” إلى الخطاب الأمريكي ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، خاصة مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وقد روّجت له إدارة الرئيس جورج بوش الابن باعتباره مشروعًا لتحرير الشعوب ونشر الديمقراطية. غير أن جوهره الحقيقي كان يقوم على تفكيك الكيانات الكبرى، وإعادة رسم الخرائط السياسية بما يسمح بإضعاف الدول العربية والإسلامية، مقابل تمكين إسرائيل من الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي والسياسي والعسكري.
ومنذ تلك المرحلة، تحوّلت المنطقة إلى مسرح لحروب متواصلة: العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، ولبنان، إضافة إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي شهد تحولات نوعية بتقويض حل الدولتين، وتكريس الاحتلال .
في السنوات الأخيرة، أصبحت إيران العدو المركزي في عقيدة الأمن الإسرائيلي، وتحوّلت الحرب بين الجانبين إلى “حرب ظل” تدور عبر ميليشيات وأطراف إقليمية حليفة، وعلى أراضٍ عربية متهالكة من الحروب الداخلية. فمن لبنان حيث حزب الله، إلى سوريا والعراق واليمن، تتخذ المواجهة أبعادًا متعددة: استخباراتية، سيبرانية، عسكرية جوية، وحتى عبر الاغتيالات الدقيقة، كما حدث في تصفية كبار قادة الحرس الثوري الإيراني ومهندسي البرنامج النووي.
العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، والذي فاقم المأساة الفلسطينية، ليس سوى واجهة لصراع إقليمي أكبر، حيث تتداخل فيه مصالح إسرائيل وأمريكا وحلفائهما، مع محور المقاومة الذي تقوده طهران. ومع اندلاع المواجهات المباشرة في الجنوب اللبناني أو في العمق السوري، تبدو المنطقة على أعتاب تصعيد غير مسبوق قد يتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
لقد تحوّل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” من وهم تنموي إلى كابوس دموي. وإسرائيل، التي لم تكن يومًا عنصر استقرار، أصبحت اليوم المحرّك الأساسي لإعادة تشكيل المنطقة عبر تدمير بنيتها الجغرافية والديموغرافية، وتفكيك تماسكها الاجتماعي والسياسي.
إن ما يجري اليوم ليس سوى استمرار لمخططات بدأت منذ عقود، لكنها وصلت الآن إلى ذروتها، في ظل نظام دولي مأزوم وعالم عربي منقسم. والسؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح اليوم: هل من إرادة جماعية لدى الشعوب والنخب لإعادة توجيه البوصلة، والبحث عن شرق أوسط تقوده مصالح أهله، لا مطامع الغزاة؟

