بقلم: سعيد ودغيري حسني
كان الشعر يومًا سلطانَ القول وسيدَ الكلام. يحفظه الناس في صدورهم قبل أن تسجله الكتب. كانت القصيدة تشبه سهمًا من نار، متى انطلقت لا تعود. تهيم بها الركبان في الصحاري، وتحملها الريح بين السهول والوديان. يتلقفها الناس في الأسواق والمجالس، فيتردد صداها عبر الأزمان.
إذا الشعرُ لم يهزُزْكَ عند سماعِهِ
فليسَ خليقًا أن يُقالَ له شعرُ
— (المتنبي)
أما اليوم، في عصر السرعة والتكنولوجيا، في زمن الصواريخ والمسيّرات، في عالم يحكمه التفاعل اللحظي والتغريدات القصيرة، لم تَعُد القصيدة قادرة على اختراق الضجيج. لم تَعُد تهز النفوس كما كانت، رغم كثرة المهرجانات والمنصات والتكريمات. فكيف تراجع الشعر بعد أن كان ضمير الأمة ولسان حالها؟
تضيقُ بنا الدُّنيا إذا غِبْتَ ساعةً
وتَرحَبُ بالأحزانِ إن لم تَكُنْ هُنا
— (المتنبي)
هل السبب أن الإنسان الحديث لم يَعُد يملك الوقت للصمت والإصغاء؟ هل أصبح الحسّ الجمالي ضحيةً للعصر الرقمي؟ كيف للقصيدة أن تنافس فيديو لا يتجاوز عشر ثوانٍ أو تغريدة لا تتعدى بضع كلمات؟ كيف لحرفٍ أن يصمد أمام انفجار الصور والمؤثرات التي تسلب البصر وتأسر الانتباه؟
أفي الحقّ أنَّ الشعرَ يُصبحُ ضائعًا
وأنَّ القوافي لا تُحرّكُ ساكنَا
— (أحمد شوقي)
ربما لأن الشعر لم يَعُد ذلك الصوت الذي يُحرّك المجتمعات كما كان. لم تَعُد القصيدة زادَ الثائرين، ولا نبوءة المفكرين، ولا دمعة العاشقين. تراجع دور الشعر كما تراجعت أشياء كثيرة فقدت معانيها في زحام العصر الرقمي.
رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى
فؤادي في غشاءٍ من نِبالِ
— (المتنبي)
لكن هل انتهى دور الشعر؟ هل أصبح شيئًا من الماضي؟ هل بات مجرد زينة ثقافية تُعرض في المهرجانات ثم تُنسى؟ هل حقًا فقد الشعر سحره وقوته؟
كلا، لأن الحرف لا يموت، ولأن الكلمة الصادقة لا تضيع، ولأن القلوب التي تُحسن الإصغاء ما زالت موجودة. قد يكون الزمن قد تغير قد يكون الضجيج قد ارتفع، لكن القصيدة الحقيقية تعرف طريقها تعرف كيف تُولد من الرماد، تعرف كيف تعبر القارات ولو بعد حين.
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
— (المتنبي)
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعُني
بها كبدًا ليست بذاتِ قُروحِ
— (ابن الرومي)
إنما الشعر روحُ الإنسان، متى اختنقت الروح تلاشى الإنسان وإن بقي يتنفس. الشعر ليس كلمات تُنظم، ولا قوافي تُرصّف، بل هو قبسٌ من نار الإحساس، وهو صوتُ المعنى حين يُضيء ظلام الواقع. الشعر لا يموت، لكنه يختفي حتى يجد من يوقظه، تمامًا كما يبقى الجمرُ متقدًا تحت الرماد حتى تهب الريح فتكشف ناره من جديد.
زبدة القول
الشعر لا تُطفئه التكنولوجيا، ولا تقضي عليه الصواريخ، بل هو طائر الفينيق الذي كلما احترق عاد حيًا من رماده. قد يختفي صوته وسط الضجيج، لكنه لن يموت ما دام في الناس من يؤمن بأن الحرف إذا

