بقلم: سعيد ودغيري حسني
في السياسة، كما في البحر، لا وجود لمن يقف على الشاطئ ويدّعي أنه لا يبتلّ.
ما أن تكون في الموج… أو خارجه.
وكل من يقول إنه “مجرد مراقب” بينما يوجّه الريح، إنما يراهن على ذاكرة قصيرة وعقول متعبة.
الحديث عن الجزائر بوصفها “ملاحظًا محايدًا” في نزاع الصحراء الغربية لم يعد توصيفًا قابلًا للتصديق، بل تحوّل إلى أسطورة سياسية تتآكل مع كل معطى جديد. فالحياد ليس بيانًا دبلوماسيًا يُقرأ أمام الكاميرات، بل هو سلوك متّسق، ينسجم فيه القول مع الفعل.
المراقب لا يسلّح
المراقب لا يموّل
المراقب لا يسخّر إعلامه، ولا يحرّك ثقله الدبلوماسي، ولا ينسج تحالفاته الدولية لخدمة طرف واحد.
وحين يصبح ملفّ معيّن حجر الزاوية في السياسة الخارجية لدولة ما، تُعاد صياغة خطاباتها وتُعاد برمجة أولوياتها، ويُستنزف فيه رصيدها الاستراتيجي… فإن الحديث عن “المسافة” يصبح ضربًا من البلاغة، لا من الواقعية السياسية.
الجزائر، منذ عقود، لم تكتفِ بمتابعة هذا النزاع، بل جعلته جزءًا من تعريفها لنفسها إقليميًا. لقد تحوّل إلى مرآة ترى فيها دورها، وإلى معركة تُقاس بها مكانتها. وهنا تكمن المعضلة: حين يصبح الملف هوية يصبح التراجع عنه صعبًا، ولو تغيّرت المعطيات.
لكن العالم لا ينتظر أحدًا.
التاريخ لا يراعي العواطف.
والجغرافيا لا تُدار بالشعارات.
لقد تبدّلت موازين القوى، وأعيد رسم خرائط التحالفات، وظهرت مقاربات أكثر براغماتية لدى الفاعلين الدوليين. القرار 2797 لم يكن مجرد رقم يُضاف إلى أرشيف الأمم المتحدة، بل كان إشارة واضحة إلى أن مرحلة الغموض البنّاء تقترب من نهايتها، وأن لغة الواقعية السياسية تتقدّم على إرث الاستقطاب القديم.
في هذا السياق، يصبح الإصرار على توصيف الذات كـ“مراقب” نوعًا من الإنكار الدبلوماسي. فالاعتراف الأحادي بكيان لم يستكمل شروط الدولة وفق القانون الدولي، والانخراط المستمر في دعمه سياسيًا وماديًا، لا ينسجمان مع صورة الحياد.
السياسة ليست محكمة نوايا، بل محكمة أفعال.
والأفعال، هنا، واضحة لمن يريد أن يرى.
غير أن الوجه الأكثر إيلامًا في هذا المشهد ليس خارجيًا فحسب، بل داخلي أيضًا. فكل رهان طويل الأمد على صراع إقليمي يحمل كلفة اقتصادية وتنموية. وكل تعبئة مستمرة للموارد في معركة دبلوماسية، تعني بالضرورة موارد أقل لمعارك أخرى: التعليم، الصحة، الابتكار، البنية التحتية، وكرامة المواطن.
الشعوب لا تعيش على الشعارات.
ولا تُبنى الأوطان بالخصومات المزمنة.
إن منطقة المغرب العربي، بتاريخها المشترك ووشائجها العميقة، كانت تستحق مشروعًا آخر: مشروع تكامل اقتصادي، وسوقًا موحدة، وجبهة تنموية قادرة على مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. لكن النزاع المستمر حوّل الحلم إلى انتظار طويل، والانتظار إلى اعتياد، والاعتياد إلى جمود.
وهنا السؤال الذي لا بد منه:
هل الدفاع عن موقف يعني الارتهان له إلى حدّ فقدان القدرة على المراجعة؟
في تقاليد الدولة الرشيدة، المراجعة ليست ضعفًا، بل شجاعة.
البراغماتية ليست خيانة للمبادئ، بل إعادة قراءة لها في ضوء المتغيرات.
العالم اليوم يمرّ بمنعطفات حادة: أزمات طاقة، صراعات كبرى، إعادة تموضع للقوى، تحالفات تُعقد على أساس المصالح الصريحة لا الخطابات الأيديولوجية. من لا يُحسن التموضع في هذا السياق، يجد نفسه خارج دوائر التأثير، ولو امتلك أكبر الشعارات.
الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ لا يعني فقط الدفاع عن سردية، بل القدرة على قراءة المستقبل. والقيادة التي ترى أبعد من اللحظة، هي التي تُدرك متى تتمسّك ومتى تُعيد الحسابات.
في ملف الصحراء، لم تعد المسألة مسألة توصيف لغوي بين “مراقب” و“طرف”.
المسألة صارت اختبارًا للواقعية السياسية، وللقدرة على التكيّف مع عالم يتغير بلا استئذان.
قد يكون من السهل رفع شعار الحياد.
لكن الأصعب — والأصدق — هو أن تتطابق الكلمة مع الفعل.
وفي زمن التحوّلات الكبرى، تسقط الأقنعة سريعًا.
ويبقى في النهاية سؤال واحد:
من امتلك شجاعة النظر إلى الحقيقة كما هي، لا كما يتمنى أن تكون؟

