نيويورك/ عبد الكريم مومن
ما يحدث الآن معروف عند الاقتصاديين بمصطلح “الصدمة الاقتصادية”
ماذا تعني؟ كيف تُخلق؟ من يستفيد منها؟ وكيف تُواجه بذكاء؟
في فترات معينة، نشهد تذبذبات حادة في الأسواق المالية لا تنبع من وقائع اقتصادية بحتة، بل من تصريحات سياسية أو مواقف مفاجئة من شخصيات نافذة. هذا ما يسميه الاقتصاديون “الصدمة الاقتصادية المفتعلة”، والتي يكون أثرها أوسع وأسرع من المتوقع، وغالبًا ما تكون موجهة ومقصودة.
ما المقصود بالصدمة الاقتصادية؟
الصدمة الاقتصادية هي حدث غير متوقع يؤدي إلى اضطراب مفاجئ في الأسواق، الإنتاج، أو سلوك المستهلكين والمستثمرين. وقد تكون هذه الصدمة طبيعية (مثل الزلازل أو الأوبئة)، أو مفتعلة عبر تصريحات سياسية، تشريعات مفاجئة، أو حروب تجارية وإعلامية.
من التاريخ نتعلم :
هناك نماذج لصدمات مفتعلة في الأسواق العالمية:
- يناير 2018 – تغريدة سياسية تقلق وول ستريت:
في هذا الشهر، هبط مؤشر داو جونز بأكثر من 1,175 نقطة في يوم واحد، وهو أكبر تراجع يومي آنذاك، بعد تصريحات سياسية أربكت المستثمرين بشأن السياسات الاقتصادية والرسوم الجمركية. القيمة السوقية المفقودة: أكثر من 1.25 تريليون دولار خلال أسبوع. - مايو 2019 – بداية الحرب التجارية:
أدى الإعلان المفاجئ عن فرض رسوم جديدة على الصين إلى هبوط الأسواق الأمريكية بنسبة 2.5%، وخسائر فاقت 500 مليار دولار في يومين فقط. الأسواق الآسيوية بدورها سجلت انخفاضات جماعية. - مارس 2023 – انتقادات علنية للاحتياطي الفيدرالي:
تصريحات سياسية وصفت قرارات البنك المركزي بـ”الجنونية”، ما أثار ذعر المستثمرين وأدى إلى انخفاض مؤشر ناسداك بأكثر من 4% في جلسة واحدة. في 48 ساعة، خسرت البورصة ما يقرب من 1.1 تريليون دولار.
الهدف من هذه الصدمات؟
ليست عبثية. بل تُستخدم أحيانًا من أجل:
- التأثير على اتجاهات السوق لصالح فئة معينة.
- تشتيت الرأي العام عن قضايا أخرى.
- الضغط على المؤسسات المالية لتغيير قراراتها.
- تهيئة الجو لشراء أصول بأسعار منخفضة.
من المستفيد الحقيقي؟
- المؤسسات المالية الكبرى وصناديق التحوط، التي تعتمد على أدوات مثل البيع على المكشوف (short selling)، تحقق أرباحًا طائلة في الأزمات.
- شركات التقنية العملاقة مثل Apple، Amazon، Microsoft، التي تمتلك احتياطات نقدية ضخمة (فوق 100 مليار دولار لكل منها)، تستغل الانخفاضات لشراء أسهمها أو التوسع.
- الذهب يرتفع عادة في مثل هذه الفترات: فقد ارتفع من 1,500 دولار للأونصة في مارس 2020 إلى أكثر من 2,200 دولار في أبريل 2024.
لماذا لا تسقط الشركات الكبرى؟
لأنها تملك:
- احتياطات نقدية ضخمة.
- تنوعًا عالميًا في مصادر الدخل.
- فرقًا قانونية ومالية تستطيع التفاعل بسرعة مع الأزمات.
- شبكات نفوذ تحمي مصالحها من التقلّبات.
كيف تتعامل الدول مع هذه الصدمات؟
- ضخ السيولة: كما فعلت أمريكا في 2020 بضخ 6 تريليون دولار لحماية الشركات الكبرى والبنوك من السقوط ( هل سمعت قبل بأن الشركات الكبرى العالمية سقطت أو غابت عن السوق؟ ) الجواب: لا، لأن الدول تحمي الشركات العملاقة too big to fall لذلك تشتري الدول اسهما في هاته الشركات مؤقتا وتبيعها بعد التوزان وتحقق أرباحًا.
- خفض أسعار الفائدة: لتشجيع الاستثمار بدل الادخار.
- شراء الأصول المتعثرة: لحماية السوق من الانهيار، مثل برنامج “التيسير الكمي”.
كيف يمكن للشركات والأفراد حماية أنفسهم؟
- الشركات الصغيرة تحتاج إلى خطط استجابة طارئة وتحالفات، وتنويع الاستثمار وكذلك أسواق التصدير والاستيراد، ومسك دفتر بالعملاء عبر الوطن أو عالميا حسب حجم الشركة، والتعاون مع شركات التوريد للضغط عليها بالبحث عن موردين أرخص.
- المستثمرون الأفراد يُنصحون بتنويع المحافظ، وعدم الدخول أو الخروج بعشوائية.
- صناديق التقاعد يجب أن تُبنى على استراتيجيات طويلة المدى، لا تتأثر بالهلع اللحظي.
الصدمة المضادة: السلاح الذكي
بعض الحكومات تلجأ إلى “الصدمة المضادة”، عبر إعلان مفاجئ لإجراءات دعم، أو كشف خطط استثمارية ضخمة، أو تحفيز قطاعات واعدة (كالطاقة المتجددة أو الذكاء الاصطناعي) لامتصاص أثر الصدمة المفتعلة، وثني من يفتعلها.
حسنا، من يتحكم بالعواقب؟
الأسواق لا تتحكم بنفسها. العواقب تحددها:
- قوة المؤسسات المركزية (كالبنوك المركزية).
- وعي المستثمرين.
- وجود قواعد شفافة وحاسمة.
- والأهم: معرفة أن الصدمة قد تخلق فرصًا كبيرة… لمن يحسن قراءتها قبل فوات الأوان

