بقلم سعيد ودغيري حسني
من تونس العاصمة
العاشر من غشت يوم وطني يضيء سماء قلوب المغاربة في المهجر، هو اليوم الذي يختزل حكاية الحنين والوطن في نبضة واحدة، يوم يحتفل فيه المغرب بأبنائه في كل أصقاع الأرض تحت شعار ورش الرقمنة تعزيز لخدمات القرب الموجهة لمغاربة العالم، شعار ينبض بالأمل في تسهيل حياة المغاربة ويعد بجسر من الضوء يربط الغربة بأحضان الوطن عبر عوالم التكنولوجيا والحداثة.
لكن بين أروقة القنصليات ودهاليز الإجراءات، تختبئ قصة أخرى تحكيها الجالية المغربية في تونس، تلك القصة التي تفيض بآهات الإحباط وأوجاع الانتظار، حيث تقف أعداد كبيرة من أبنائنا المغاربة في وجه تحديات معقدة من أجل حق بسيط في الاستقرار والحصول على إقامة تضمن لهم الحياة الكريمة.
ففي عام 2012، وقع المغرب وتونس بروتوكولاً ثنائياً كان من المفترض أن يشق طريقًا جديدًا أمام المغاربة المقيمين في تونس يمنحهم إقامة دائمة تصل إلى عشر سنوات قابلة للتجديد، دون الحاجة لروتين معقد أو شروط تعجيزية. لكن هذا البروتوكول بقي حبيس الأدراج، ينتظر من يحرره من قيود التلكؤ، ليكون حقًا مُعترفًا به لا مجرد حلم يُروى في سهرات الجالية.
تتزايد مرارة أبناء الجالية حين يقفون أمام مفارقة غريبة؛ التونسيون في المغرب ينالون الإقامة بسهولة ويسر، يمارسون حقوقهم بكرامة في بلدنا، بينما أبناؤنا في تونس يُجرون خلف أمل الإقامة بين مطبات الروتين وتعقيدات المعاملات، وكأنهم غرباء في أرض شقيقة يفترض أن تكون محطّ رحمة ودعم.
وهنا تبرز الحاجة الملحة لتدخل وزارة الشؤون الخارجية والتعاون كي تكون اليد الحانية التي تمسح دموع أبناء الجالية، وتعيد الحياة للوعود التي طال انتظارها. نحن نناشد الوزارة أن تحيط مواطنينا بدعم لا يتزعزع، فهم يحملون في قلوبهم حرص جلالة الملك محمد السادس على استمرارية علاقات المحبة والاحترام بين المغرب وأبنائه في كل مكان، ويدعون إلى أن يكون هذا الحرص أكثر من مجرد كلمات على ورق، بل أفعالاً تلامس واقعهم وتخفف من معاناتهم.
في قلب هذا الطموح، يبرز شعار “ورش الرقمنة” كبوابة مستقبلية لكنه يحتاج إلى أن يكون شاملًا، لا يترك خلفه من لا يمتلكون مفاتيح التكنولوجيا. فالكثير من كبار السن والذين لا يجيدون القراءة أو استخدام الحاسوب، يجدون أنفسهم محاصرين في متاهة المنصات الإلكترونية، دون وسيلة للتواصل مع قنصلياتهم أو الحصول على المساعدة التي تليق بهم.
لذا، يجب أن نرى في هذا الورش مزيجًا متقنًا بين التقدم الرقمي واللمسة الإنسانية، من خلال إنشاء مكاتب دعم حضورية في القنصليات ومراكز الجاليات، مكاتب ترحب وتحتضن من لا يستطيعون التعامل مع التكنولوجيا، تساعدهم في كل خطوة، من ملء الاستمارات وحجز المواعيد إلى رفع الوثائق. كما ينبغي تخصيص خطوط هاتفية خاصة يديرها موظفون متفهمون لظروف الجالية، قادرون على سماع صوتهم وتلبية حاجاتهم.
هذا الدمج بين الرقمنة والإنسانية ليس رفاهية بل ضرورة كي لا تتحول التكنولوجيا إلى جدار يبعد بين أبناء الوطن وحقوقهم، بل إلى جسر يربطهم بحضن المغرب بكل حنان وأمان.
وفي النهاية، يظل العاشر من غشت ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل تذكيرًا بأن للجالية المغربية صوتًا يحمل نداءً للصبر والأمل، وحقوقًا تنتظر من يصونها ويرعاها. وطننا لا يُقاس بالحدود الجغرافية فقط، بل بانتماء أبنائه وكرامتهم التي يجب أن تُحفظ أينما كانوا، تحت ظل رعاية ملك يعتز بجالية تعتبر ثروته الحقيقية ونبض مستقبله.

