نيويورك / عبد الكريم مومن
القرارات التجارية الكبرى: دوافع تتجاوز منطق الاقتصاد.
شهدت الأسواق المالية العالمية مؤخرا موجات حادة من التقلب أعقبها انتعاش سريع، بالتزامن مع قرارات مفاجئة تتعلق بالتعريفات الجمركية. ويؤكد خبراء الاقتصاد والسياسة الدولية أن مثل هذه القرارات عندما لا تصدر عن الجهات المالية أو التقنية المتخصصة كوزارات المالية والبنوك المركزية تكون غالبا محكومة بحسابات جيوسياسية أو رهانات استراتيجية، أكثر من كونها حسابات اقتصادية صرفة.
لقد جاءت المراجعة الأخيرة للسياسات التجارية، وما صاحبها من تخفيف للرسوم، كرد عملي على مؤشرات الضرر في الاقتصاد المحلي: التضخم المتغذي من ارتفاع التكاليف، وزيادة عبء الأسعار على المستهلك، وتراجع الطلب، وهي مؤشرات إذا تركت دون معالجة قد تقود إلى تباطؤ اقتصادي واسع.
حكمة المستثمرين وتحدي: لا تبع وقت الذعر
رغم حالة عدم اليقين التي تصنعها القرارات السياسية المفاجئة، تبرز الأسواق في كل مرة بإيمان قوي بمرونتها الهيكلية. وهذا يعيد تسليط الضوء على واحدة من أهم قواعد الاستثمار: لا تبع وقت الذعر، بل حلل ثم قرر وعليك أن تعرف أن السوق فعلا تحكمها العاطفة والخوف، ولكن أيضا السوق يسير بميكانيزمات مدروسة ومعروفة.
هذه القاعدة تستند إلى ثلاثة ركائز أساسية:
1- التدخل الحكومي كشبكة أمان دائمة
هناك اعتقاد راسخ لدى المستثمرين بأن الحكومات والبنوك المركزية لن تسمح بانهيار نظامي. إذ تراقب السلطات سلسلة من مؤشرات الخطر، أبرزها:
تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي
ارتفاع البطالة وتسريحات العمال
تراجع المعاملات الداخلية والخارجية
إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة
هبوط الأسواق المصحوب بأحجام تداول ضخمة ناتجة عن بيع بدافع الذعر
وعندما تتجاوز هذه المؤشرات العتبة الحمراء، تتدخل السلطات بأدوات نقدية ومالية قوية لإعادة التوازن، مما يخلق أرضية مناسبة للمستثمر الذكي الذي يشتري عند القاع.
النقد الذاتي الاستراتيجي: السؤال الجوهري لكل شركة
قبل اتخاذ أي قرار متسرع عند أول علامة هبوط، هناك سؤال واحد يجب على كل مدير أو مستثمر طرحه على نفسه:
ما سبب التراجع؟
هل المشكلة داخلية؟ (تكاليف مرتفعة، ضعف إدارة، هيكلة غير فعّالة)
أم أن سلوك المستهلك تغير؟ (منافس جديد، ذوق جديد، تراجع الطلب…)
أم أن الخلل يأتي من الاقتصاد الكلي؟ (ركود، سياسات تجارية جديدة)
لا يمكن علاج كل تراجع بنفس الوصفة. فالتسرع يعمق الأزمة، لكن النقد الذاتي المبني على تحليل موضوعي غالبا ما ينقذ الشركات من الانزلاق، وفي بعض الأحيان يجب الغوص في المحيط عوض التركيز على الشاطئ أي البحث بعيدا عن فرص بأسواق صاعدة تخلوا أو تقل بها المنافسة الشرسة ويكون المنتوج أو الخدمة التي تقدم جديدة بهذا السوق، وكذلك شريك موثوق له خبرة ونفوذ في مجاله الحيوي بذلك السوق.
الشركات الكبرى: فن تغيير الجلد مع الحفاظ على الروح
الثقة في الأسهم ليست مبنية على الأرباح فقط، بل على قدرة الشركة على التكيف. فالشركات العملاقة التي تجاوزت عقودا أو قرنا كاملا لم تستمر لأنها كانت ثابتة، بل لأنها:
حافظت على جوهر رؤيتها الأصلية
وغيرت جلدها كلما تغير السوق
فلا يمكن لشركة عمرها 100 سنة أن تستمر بنفس العقلية والأسلوب، وإلا تركها المستهلك وسبقها المنافس.
التاريخ يحفظ أسماء شركات انتقلت من حافة الهاوية إلى الريادة لأنها أجادت النقد الذاتي والتجديد.
الارتفاع السريع بعد التوترات قاعدة لا استثناء
إن الارتفاع السريع في الأسواق بعد كل تخفيف للتوترات التجارية يؤكد أن المستثمرين يفكرون بالأساسيات. فالهبوط الحاد في أسهم الشركات القوية غالبا ما يمثل فرصة نادرة للشراء، شرط التأكد من جودة الأساسيات وقدرة الشركة على التكيف، إضافة إلى الضمانة الأخيرة التي يضعها الجميع في الحسبان: التدخل الحكومي إذا استدعت الضرورة.
هكذا نصل لملخص الموضوع وهو أن الأسواق تتحرك أحيانا بدافع سياسي لا علاقة له بالاقتصاد، لكن سلوك المستثمرين الناجحين يعتمد على شيء آخر تماما:
تحليل المخاطر والتمييز بين الضجيج السياسي والاتجاهات الاقتصادية الحقيقية

