نيويورك / عبد الكريم مومن
في الحياة العادية سواء كنت سياسي، أو ثقني، تعمل قائد بإدارة عامة، أو صاحب أو مسير شركة بالقطاع الخاص، تسير الأمور عادية لكن فجأة تجد نفسك في وضع حرج، حدث ماحدث، كيف يمكنك بهدوء التصرف بعقلانية لإعادة الوضع ( تحث السيطرة)، تصرفك= نجاح تدخلك أو فشله، الهدوء يساعد في إتخاد القرار السليم، والإنفعال المبالغ فيه لن يحل المشكل بل يرفعه ويعقده، فما هو الحل حسب دراسات علم النفس السلوكي؟
في هذا المقال، نستعرض جانب من تفسير العلماء لكيفية تعامل الدماغ البشري مع الوضع غير العادي.
ففي السنوات الأخيرة، أصبحت دراسة اتخاذ القرار تحت الضغط أحد أهم فروع علم النفس العصبي والاقتصاد السلوكي وعلوم القيادة. وتشير أبحاث جامعات كبرى مثل ستانفورد، هارفارد، وUCL إلى أن الدماغ البشري لا يعمل بنظام واحد عند الأزمات، بل بنظامين متداخلين: نظام سريع انفعالي يعتمد على الاستجابة الفورية ( ردة الفعل)، ونظام بطيء تحليلي يعتمد على التفكير العقلاني وتقييم العواقب (التحكم في ردة الفعل). هذا الإطار، الذي اشتهر في أعمال دانيال كانيمان تحت اسم النظام 1 والنظام 2، أصبح اليوم أساسا لفهم كيفية اتخاذ القرار في الظروف المعقدة.
الدراسات العصبية الحديثة توضح أن الضغط الحاد يؤدي إلى انتقال في نشاط الدماغ من الشبكات التنفيذية في القشرة الجبهية الأمامية، المسؤولة عن التخطيط وضبط السلوك، إلى شبكات أكثر ارتباطا بالاستجابة السريعة والانفعال. هذا التحول يجعل القرار أكثر سرعة لكنه أقل مرونة وأكثر اعتمادا على الحدس. أبحاث منشورة في مجلات علمية مثل Nature Neuroscience وScienceDirect تشير إلى أن هذا التغير ليس خللا، بل آلية تطورية تسمح بالاستجابة السريعة في البيئات الخطرة، رغم أنها قد تقلل من جودة القرار الاستراتيجي في المدى الطويل.
في السياق التطبيقي، لا يقتصر هذا النموذج على المختبرات، بل يظهر بوضوح في مجالات القيادة الواقعية. فالتاجر الذي يواجه فجأة تأخر شحنة، أو خسارة بضاعة، أو أزمة مع زبائن، يدخل مباشرة في حالة ضغط تعيد تشكيل قراراته بين رد الفعل العاطفي والتفكير التحليلي. المدير الإداري في مؤسسة يواجه نفس الديناميكية عند حدوث أزمة مالية أو اضطراب تنظيمي مفاجئ، حيث يصبح التحدي الحقيقي هو منع الانفعال من السيطرة على مسار القرار.
الأمر نفسه ينطبق على القائد السياسي أو مدير الأزمات، حيث تظهر أهمية تقسيم الاستجابة إلى مراحل: مرحلة فورية لمنع الانهيار، ثم مرحلة تحليل، ثم مرحلة إعادة توزيع الموارد واتخاذ القرار الاستراتيجي. هذا التدرج الزمني في القرار يعتبر من المبادئ الأساسية في إدارة الأزمات الحديثة، ويعكس ما تشير إليه الأبحاث حول التحول بين التفكير الحدسي والتفكير التحليلي تحت الضغط.
حتى في المجال الرياضي، يتجلى هذا النموذج بشكل واضح. فمدرب كرة القدم عندما يتلقى فريقه هدفا مفاجئا أو يواجه خللا في التمركز أو إصابة لاعب أساسي، يدخل في نفس المعادلة العصبية والسلوكية: إما أن يتخذ قرارات انفعالية سريعة قد تزيد الفوضى داخل الفريق ( اللاعبين ينظرون للمدرب، إذا ظهر عليه الإرتباك والخوف، فسوف ينتقل ذلك لهم، عكس إذا ظهر صامدا واثقا محفزا) أو أن يعيد تنظيم رد الفعل عبر تهدئة اللاعبين، تعديل التمركز، وتغيير الخطة بشكل تدريجي. الدراسات في علم النفس الرياضي تشير إلى أن المدربين الأكثر نجاحا ليسوا بالضرورة الأكثر انفعالا أو سرعة في التغيير، بل الأكثر قدرة على الحفاظ على وضوح القرار تحت الضغط وتنظيم استجابة الفريق عبر مراحل زمنية متدرجة، فهو يطالبهم دائما بأنهم يتعاملون مع المباراة بتوقيت زمني، والهدف لم يتغير وهو هز الشبكة.
وتضيف أبحاث في جامعات مثل هارفارد وستانفورد في مجال القيادة في البيئات عالية الضغط أن ما يميز القادة الفعالين ليس غياب التوتر، بل قدرتهم على تحويله إلى نظام عمل منظم، حيث يتم فصل الانفعال عن القرار، وإعادة توزيع الأدوار داخل الفريق بما يسمح بالحفاظ على الاستقرار النفسي والتنفيذي في نفس الوقت. وينظر إلى هذا الأسلوب باعتباره أحد أشكال القيادة التكيفية التي تتعامل مع الأزمات باعتبارها سلسلة من القرارات المتدرجة وليس لحظة واحدة حاسمة.
نصل إذن إلى أن هذا النموذج العلمي لا يهدف إلى تفضيل القرار العقلاني على الانفعالي بشكل مطلق، بل إلى فهم العلاقة بينهما داخل السياق الحقيقي للضغط. فالقرار الانفعالي قد يكون ضروريا في لحظات معينة، لكن القرار العقلاني يظل الإطار الذي يمنع الفوضى من التحول إلى انهيار. وبين هذين النظامين، تتشكل مهارة القيادة الحقيقية: القدرة على إدارة الزمن النفسي للقرار، وتحويل اللحظة الحرجة إلى مسار يمكن التحكم فيه بدل أن يتحول إلى رد فعل غير قابل للإصلاح.
أشبه الأمر مثل هجوم قوات غازية فجائي غير نتوقع، فالقائد المثالي سوف يتخد ردة فعل ( سلوك إنفعالي) وينشر القوات وينظم الموارد لحماية الحدود وتعطيل تقدم العدو ونشر الأمن كضبط مؤقت، ثم يجتمع بالقادة ويوزع المهام بين المحللين والمستشارين ثم تقييم الوضع وبعدها وضع خطة آنية لإحتواء الغزو، بينما القائد الإنفعالي سيتوه وسط الوضع ويبدأ المعركة دون تخطيط وتشاور، هنا ترتفع نسبة الفشل بشكل كبير.
لذلك ينصح كبار القادة عندما يتخد قادة تابعون لهم قرارات قد يراه القائد الأعلى رتبة غير منطقية، بضرورة سؤال القائد الأدنى عن سبب إتخاده لهذا القرار الذي يبدو غير منطقيا عوض أن يتهمه بعدم القدرة أو الكفاءة، فقائد الميدان له معطيات مخالفة للمعطيات على الورق ويتعامل مع سلوكيات ومستجدات مختلفة، ثم إن القرار ولو كان خاطئا صار من الماضي، لكن التعامل مع نتائجه هو الحاضر والمستقبل، فنحن لن نركز مع الذي توفي بل مع من بقي حيا، هذا الإنتقال من ردة الفعل الفطري للتفكير العقلاني هو نقطة التحول التي سوف تصلح الأضرار وتخفف منها بل وقد تعتبر تجربة، وبذلك تقلب شيئا كان ضدك لصالحك، لذلك عندما تنصح إبنك أو من هو تحث توجيهك عندما يتعرض لخسارة أو نكسة، قل له لا تبكي، لا تغضب، قاوم وكن أكثر إصرارا على الفوز، ولا تقل له فاشل، التجارب الكثيرة بينت أن القادة الذين فشلوا مرة عادوا أكثر قوة وصلابة، ولي كايبقى فالسوق هو القائد أو التاجر الذي يصر على الصمود والمواصلة.

