كتب: أحمد أكلكيم
منذ عقود، تتبنى الجزائر سياسة عدائية تجاه المغرب، مستعملة جميع الأدوات الممكنة، من دبلوماسية معرقلة إلى حملات إعلامية ممنهجة، مرورًا بدعم كيان وهمي لا وجود له إلا في حسابات سياسية ضيقة. لكن لفهم العمق الحقيقي لهذا العداء، لا بد من التطرق إلى أحد الدوافع الرئيسية التي تحركه: رغبة الجزائر في الحصول على منفذ إلى المحيط الأطلسي، وهو الحلم الذي يظل مجرد سراب في ظل المعطيات السياسية والجغرافية الراهنة.
أطماع الجزائر في الأطلسي: الدافع الخفي للعداء
تمتد الجزائر على مساحة شاسعة، ما يجعلها أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، لكنها رغم ذلك تفتقر إلى منفذ على المحيط الأطلسي، ما يجعلها تعتمد حصريًا على البحر الأبيض المتوسط، وهو ما تعتبره قيدًا جيوسياسيًا يحد من نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي.
بالنسبة للجزائر، فإن الوصول إلى المحيط الأطلسي يعني تحقيق حلم جيوسياسي قديم، حيث يمكن أن يوفر لها منفذًا تجاريًا مباشراً إلى الأسواق العالمية دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق جبل طارق أو الاعتماد على الموانئ الأوروبية. ومن هنا جاء دعمها المستميت لجبهة “البوليساريو”، التي تأمل من خلالها في إقامة كيان تابع لها يكون بوابتها نحو المحيط.
دعم الجزائر للبوليساريو: ورقة خاسرة في لعبة جيوسياسية
منذ سبعينيات القرن الماضي، تبنت الجزائر دعمًا غير مشروط لجبهة “البوليساريو”، مقدمة لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا، بالإضافة إلى توفير أراضٍ في تندوف لتكون قاعدة انطلاق لهذا الكيان الوهمي. هذا الدعم ليس نابعًا من أي مبدأ أممي أو تضامن شعبي، بل هو جزء من استراتيجية تهدف إلى إضعاف المغرب وعزله إقليميًا، في محاولة لإيجاد منفذ إلى المحيط الأطلسي عبر ما تسميه “الجمهورية الصحراوية”.
ورغم أن المجتمع الدولي لا يعترف بهذا الكيان، إلا أن الجزائر لا تزال تصر على فرضه كواقع سياسي، متجاهلة القرارات الأممية التي تدعو إلى حل سياسي واقعي ومستدام، وهو ما يقدمه المغرب من خلال مقترح الحكم الذاتي للصحراء المغربية، الذي يحظى بدعم دولي متزايد.
رفض الحكم الذاتي: تعنت جزائري أمام الحلول الواقعية
على الرغم من أن مقترح الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب يحظى بتأييد واسع من المجتمع الدولي باعتباره حلًا سياسيًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق، فإن الجزائر لا تزال ترفضه بشدة، متشبثة بموقفها المتصلب الداعم للانفصال.
هذا الرفض ليس نابعًا من حرصها على “حقوق الشعوب”، كما تدّعي، بل لأنه يقضي نهائيًا على حلمها في الوصول إلى الأطلسي، حيث إن قبول الحكم الذاتي يعني اعترافًا ضمنيًا بمغربية الصحراء، وبالتالي انغلاق أي أفق جزائري نحو المحيط.
الحملة الإعلامية الجزائرية: تضليل وتشويه ممنهج
في موازاة دعمها السياسي والعسكري للبوليساريو، تشن الجزائر حملة إعلامية واسعة ضد المغرب، حيث تستخدم وسائل الإعلام الرسمية وشبكات التواصل الاجتماعي لبث الأكاذيب وتشويه صورة المملكة، سواء عبر فبركة الأخبار أو الترويج لمغالطات تاريخية وسياسية.
هذه الحملة لم تقتصر فقط على الشأن السياسي، بل امتدت إلى محاولة التأثير على الرأي العام المغربي، من خلال استغلال قضايا اجتماعية واقتصادية لإثارة الفتنة وزرع بذور الانقسام داخل المجتمع المغربي، في محاولة يائسة لتقويض استقرار البلاد.
عرقلة الحلم المغاربي: الجزائر في مواجهة الوحدة
لا تقتصر السياسة الجزائرية على معاداة المغرب فقط، بل تمتد لتشمل تعطيل أي محاولة لتحقيق التكامل المغاربي. فكلما ظهرت مبادرات للتعاون بين دول المنطقة، كانت الجزائر أول المعارضين، خوفًا من أن يؤدي أي تقارب مغاربي إلى تعزيز نفوذ المغرب إقليميًا، ما يعمّق عزلتها السياسية.
هذا التعنت الجزائري هو الذي ساهم في تجميد اتحاد المغرب العربي، وحرم شعوب المنطقة من فرص التنمية والتكامل الاقتصادي، التي كان من الممكن أن تجعل المنطقة واحدة من أكثر المناطق ازدهارًا في إفريقيا.
ختامًا: الحلم المستحيل
رغم كل المناورات والمحاولات الجزائرية، فإن الواقع الجيوسياسي يؤكد أن حلمها في الوصول إلى المحيط الأطلسي لن يتحقق، لسبب بسيط: المغرب موجود وسيظل موجودًا.
إن مغربية الصحراء ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي حقيقة تاريخية مدعومة بالشرعية الدولية والتأييد المتزايد من القوى العالمية، وهو ما يجعل أي محاولة جزائرية لفرض واقع جديد مجرد وهم سياسي لا مستقبل له.
بدلًا من تبديد ثرواتها في صراعات خاسرة، يجدر بالجزائر أن تراجع حساباتها، وتوجه جهودها نحو التنمية الداخلية وتحقيق التكامل المغاربي، عوض اللهاث وراء سراب الأطلسي الذي لن يكون يومًا جزائريًا.

