كتب : أحمد أكلكيم (*)
مقدمة:
تُعدّ المعالجة الإعلامية للصراعات السياسية والإنسانية اختبارًا حقيقيًا لمهنية المؤسسات الإعلامية، وتكشف في الوقت ذاته عن الخلفيات السياسية والثقافية التي تحدد أولوياتها وخطابها. ويبرز هذا التحدي بشكل خاص في التغطية المتباينة التي تقدمها كل من قناة الجزيرة القطرية وقناة العربية الحدث السعودية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، خاصة خلال الحروب أو التصعيدات التي تشمل قطاع غزة، مثلما هو الحال في تغطية الحرب الجارية التي تشهدها غزة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تبعه من تدخل إسرائيلي واسع.
من هذا المنطلق، تحاول هذه المقالة أن تستنبط، من منظور سوسيو-إعلامي، خلفيات المعالجة الإعلامية لهذا الصراع، مع التركيز على القيم الإخبارية، وتوظيف المصطلحات، والتمثلات الرمزية، وتحليل توجهات كل قناة، ثم إدماج هذا التحليل ضمن منهج سوسيولوجيا التلقي الذي يفترض أن المتلقي ليس سلبيًا بل يتفاعل مع الخطاب الإعلامي وفقًا لبنيته الثقافية والاجتماعية والسياسية.
أولاً: المعالجة الإعلامية وتباين الخطاب بين “الجزيرة” و”العربية الحدث”
1. في اختيار المصطلحات:
• تتبنى الجزيرة خطابًا يوظف مصطلحات ذات حمولة وجدانية قوية، مثل: “المقاومة”، “العدوان”، “المجزرة”، “صمود غزة”، “الاحتلال”، ما يعكس انحيازًا واضحًا للرواية الفلسطينية، وخاصة لفصائل المقاومة وعلى رأسها حركة حماس، وإن تم ذلك أحيانًا بذكاء لغوي يوازن بين المهنية والانحياز الرمزي.
• في المقابل، تميل العربية الحدث إلى استخدام مصطلحات مثل: “حماس”، “الهجوم”، “الرد الإسرائيلي”، “المسلحين الفلسطينيين”، وتقلل من التوصيفات العاطفية، مع التركيز على الجانب الأمني والعسكري، في سياق قد يوحي بأن ما يجري هو نزاع مسلح بين طرفين متكافئين وليس عدوانًا من طرف قوة احتلال.
2. في البناء السردي والتأطير الإعلامي:
• تعتمد الجزيرة تغطية حية ميدانية مباشرة من غزة، تُظهر آثار القصف والدمار، وتُجري مقابلات مع المدنيين، ما يعزز من تأطير الصراع بوصفه مأساة إنسانية ناتجة عن احتلال وظلم تاريخي.
• أما قناة العربية الحدث، فتتجه نحو تأطير الصراع من منظور الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، مع اهتمام أكبر بتحليلات النخب السياسية والعسكرية، وتسليط الضوء على المواقف الدولية وردود الفعل الرسمية.
3. في التمثلات الرمزية:
• تبرز الجزيرة رموزًا من المقاومة الفلسطينية (أعلام، شعارات، صور الأطفال والشهداء)، وتُضفي شرعية رمزية على الفعل المقاوم.
• بينما تتجنب العربية الحدث غالبًا هذه الرمزية، وتُعلي من شأن مؤسسات الدولة الرسمية، بما فيها السلطة الفلسطينية، وأحيانًا تُبرز الانتقادات الموجهة لحركة حماس، في إطار تلميح سياسي لغياب التوافق الفلسطيني الداخلي.
ثانيًا: هل هو تباين تحريري أم توجيه استراتيجي؟
في ضوء التحليل السابق، يبرز سؤال مركزي: هل الاختلاف بين القناتين مجرد تعبير عن استقلالية تحريرية وتنوع في الزوايا، أم أنه انعكاس لاستراتيجية إعلامية مرسومة، تتقاطع مع التموقع السياسي للدولتين المشرفتين على القناتين (قطر والسعودية)؟
• من الناحية الظاهرة، لا يبدو هناك تنسيق مباشر بين القناتين، بل تظهر تغطيتهما كما لو كانت تمثل قطبين متناقضين، أو في أفضل الأحوال مدرستين إعلاميتين مختلفتين.
• غير أن قراءة هذا التباين من زاوية الدبلوماسية الإعلامية تشير إلى أن ما نراه ليس اعتباطيًا، بل هو جزء من استراتيجية توزيع الأدوار الإعلامية داخل النظام العربي الرسمي، حيث تُمنح لكل قناة مساحة للتعبير عن اتجاهات متمايزة تعكس سياسة الدولة التي تمولها، دون أن يعني ذلك قطيعة كاملة مع النسق الإقليمي أو مع المواقف الدبلوماسية الرسمية.
ففي حالة الجزيرة، يُمكن اعتبار تبنيها لخطاب داعم للمقاومة امتدادًا للدور الذي تلعبه قطر في دعم بعض التيارات الإسلامية (ومنها حماس)، بينما تعكس تغطية العربية الحدث توجه السعودية نحو الاستقرار الإقليمي وضبط التوازنات مع إسرائيل في ضوء التحولات الجيوسياسية الأخيرة.
ثالثًا: سوسيولوجيا التلقي وسؤال التأثير
إذا اعتبرنا أن الإعلام لا يُنتج فقط المعلومات، بل يُنتج أيضًا المعاني، فإن فهم التباين في تغطية الصراع لا يكتمل إلا بفهم كيفية تفاعل المتلقين العرب مع هذه الخطابات المتعارضة.
• فهناك جمهور يجد في تغطية الجزيرة تعبيرًا عن وعي نضالي وانتصارًا للحق الفلسطيني، ويتفاعل معها باعتبارها صوتًا بديلًا عن الخطاب الغربي المهيمن.
• في المقابل، يتلقّى جزء آخر من الجمهور تغطية العربية الحدث باعتبارها واقعية أكثر، وتُجنّب الانجرار وراء “الشعارات”، خاصة لدى فئة من المتلقين المتأثرين بخطابات الأمن والاستقرار.
هذا التفاعل المتباين يعكس التعدد الطبقي والثقافي والسياسي داخل المجتمعات العربية، ويؤكد أن سوسيولوجيا التلقي تفرض علينا ألا ننظر إلى الجمهور بوصفه كتلة واحدة، بل كشبكة من الذوات المؤوِّلة التي تتفاعل مع الرسالة الإعلامية بحسب خلفياتها الاجتماعية، وقناعاتها، وتجاربها الذاتية.
(*) صحافي باحث في علم الاجتماع الإعلامي

