احمد اكلكيم
تتجه الأنظار مجدداً نحو تركيا، التي تستعد لاحتضان قمة مرتقبة تجمع لأول مرة منذ شهور مسؤولين رفيعي المستوى من روسيا وأوكرانيا، في سياق مفاوضات مباشرة تفتح باب التساؤلات حول مدى واقعية الحل السياسي للأزمة التي تجاوزت عامها الثالث. وتأتي هذه المبادرة استكمالاً للدور التركي الوسيط الذي أثبت نجاعته في محطات حساسة، بدءاً من اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، مروراً بملفات إنسانية كصفقات تبادل الأسرى، وصولاً إلى ترتيبات أمنية جزئية بين الطرفين.
أولاً: كرونولوجيا المسار التفاوضي الروسي الأوكراني
منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، شهد مسار التفاوض بين موسكو وكييف جولات متقطعة غير مثمرة، ابتدأت بمحاولات أولية في بيلاروسيا ثم انتقلت إلى إسطنبول في ربيع 2022. تلك الجولة التركية شكلت علامة فارقة حيث طُرحت للمرة الأولى خطوط عريضة لاتفاق محتمل يشمل حياد أوكرانيا مقابل انسحاب روسي تدريجي. لكن سرعان ما انهارت هذه المساعي تحت ضغط الميدان وتعقيدات التدخلات الدولية، خاصة بعد كشف الفظائع في بوتشا، ما أدى إلى تصلب المواقف الأوكرانية والغربية.
تجددت المحاولات عبر قنوات خلفية، أبرزها الوساطة التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي نجح في إقناع الطرفين بتوقيع “اتفاق الحبوب” في يوليو 2022، والذي اعتُبر من أنجح النماذج للتفاوض الممكن في سياق معقد. غير أن الانهيارات المتكررة للهدنات المحلية وغلبة الخيار العسكري أعاقت تطور هذه المبادرات.
ومع بداية عام 2024، ظهرت مؤشرات على إرهاق الجبهتين وازدياد الضغط الدولي، ما أعاد مسألة التفاوض إلى الواجهة، خصوصاً مع تحولات في الموقف الأمريكي والدفع الأوروبي نحو مسار دبلوماسي أكثر فاعلية.
ثانياً: مقارنة بين مطالب روسيا وأوكرانيا
مطالب روسيا كما تداولتها التقارير الصحفية
الاعتراف بالمناطق التي ضمتها (دونيتسك، لوغانسك، زابوريجيا، وخيرسون) كأراضٍ روسية.وحياد أوكرانيا وتخليها عن الانضمام إلى الناتو.الى جانب رفع العقوبات الغربية وإعادة تطبيع العلاقات الاقتصادية مع أوروبا.واعتراف بـ”الخصوصية الثقافية” للناطقين بالروسية في أوكرانيا. في افق دور جديد لأوروبا ضمن نظام أمني أوسع تأمل روسيا في إعادة تشكيله، يقلّص النفوذ الأمريكي ويعزز التعددية القطبية
مطالب أوكرانيا و يمكن تلخيصها فيما يلي
انسحاب كامل للقوات الروسية من جميع الأراضي بما فيها شبه جزيرة القرم.ومحاسبة المسؤولين الروس عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب و فرض ضمانات أمنية دولية تشمل انضماماً مؤجلاً أو غير مباشر إلى الناتو. الالحاح على دعم إعادة الإعمار وربط أي اتفاق سلام بآلية تمويل أوروبية وأمريكية.واستمرار الدعم العسكري والسياسي من الغرب بوصفه الضامن لمستقبل أوكرانيا.
ثالثاً: الدور الأمريكي في المفاوضات: بين دعم أوكرانيا وموازنة المصالح
الولايات المتحدة، بوصفها الداعم العسكري والمالي الأكبر لأوكرانيا، تعتبر الراعي الفعلي لأي اتفاق قادم، حتى وإن لم تكن حاضرة بشكل مباشر في طاولة التفاوض. إلا أن واشنطن تواجه الآن معادلة دقيقة: توازن بين دعم كييف وبين تجنب صدام مباشر مع موسكو، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية داخلية في 2024 (وما بعدها)، وضغوط متزايدة من الرأي العام الأمريكي لخفض الإنفاق على الحرب.
يبدو أن الموقف الأمريكي بدأ يشهد تحولات تدريجية، تمثلت في:تشجيع كييف على فتح قنوات تفاوض مرنةوإبطاء وتيرة الدعم العسكري النوعي في بعض الفترات.الدفع نحو إشراك أطراف إقليمية فاعلة (تركيا، الصين، الهند) في أي تسوية محتملة.مع
رابعاً: المنظور الجيوإستراتيجي: روسيا وأهدافها الأوروبية – الأمريكية
من منظور جيوإستراتيجي، لا تنحصر أهداف روسيا في أوكرانيا فقط، بل تتجاوزها إلى محاولة كسر الهيمنة الأمريكية على الفضاء الأوروبي.ومنع تمدد حلف الناتو شرقاً من جهة و عادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي بما يسمح لموسكو باستعادة نفوذها التاريخي في مناطق ما بعد الاتحاد السوفييتي.وتثبيت مكانتها كقطب عالمي مقابل الصين وأمريكا، وهو ما يجعل أي اتفاق سلام مشروطاً بإعادة توزيع النفوذ، لا فقط بخطوط وقف النار من جهة اخرى.
خامساً: تركيا كوسيط مقبول: ميزات ومحددات
تركيا تظل الوسيط المقبول لدى الطرفين لاعتبارات عدة:منها قربها الجغرافي والجيوسياسي من منطقة الصراع وعضويتها في الناتو مع احتفاظها بعلاقات قوية مع روسيا ودورها الفعال في اتفاق الحبوب وتبادل الأسرى.الى خبرتها في إدارة التوازنات الدقيقة في نزاعات إقليمية (ليبيا، القوقاز، سوريا).
ومع اقتراب القمة المنتظرة، تراهن أنقرة على تحقيق اختراق نوعي، خاصة في ظل ما يُعرف بـ”إرهاق الأطراف” (war fatigue)، والذي يدفع القوى الكبرى نحو البحث عن مخرج مشرف يرضي التوازنات القائمة.
خلاصة:
المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، إذا ما تمت في تركيا، ستشكّل اختباراً حقيقياً لإمكانية ترجمة الإرهاق العسكري والتعب الشعبي الدولي إلى حلول سياسية واقعية. غير أن الفجوة بين المطالب الروسية والأوكرانية لا تزال كبيرة، ما يجعل الدور الأمريكي والأوروبي جوهرياً في بلورة أطر جديدة للحل، قد لا تحقق نصر طرف على آخر، لكنها قد تضع أسس هدنة طويلة الأمد، تُبنى على توازن المصالح لا على وهم الانتصار الكامل.
إن القمة التركية، إذا ما نُظّمت فعلاً، ستكون أول خطوة في مسار تفاوضي طويل ومعقد، يتجاوز أوكرانيا ليعيد رسم خريطة النظام الدولي في ظل عالم يتغير بسرعات متباينة.

