كتب/ أحمد أكلكيم
أثارني النقاش الدائر حول اعلان حميد المهداوي مدير نشر موقع “بديل أنفو” خوض إضراب عن الطعام، دون أن يعلن عن مكانه ومدته، وذلك بسبب تعرضه وأسرته “لترهيب نفسي شديد على أكثر من واجهة ومنصة”، حسبما أكده في تدوينة على حسابه الخاص بموقع “فايسبوك”، يوم السبت 24 ماي 2025.
.و أوردت العديد من المقالات في الصحافة الالكترونية و شبكة التواصل الاجتماعي هذا الخبر على خلفية قرار المحكمة الإدارية الابتدائية بالرباط، التي رفضت في حكمها الصادر الخميس 22 ماي 2025، طلب الطعن الذي تقدم به المهداوي ضد قرار رفض اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر تجديد بطاقته المهنية للصحافة لسنة 2025.
وقالت المحكمة في منطوق الحكم، إن هذا الأخير جاء “تطبيقا لمقتضيات القانون 41-90 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية وقانون المسطرة المدنية ومقتضيات النظام الخاص بتنظيم الولوج الى مهنة الصحافة ومقتضيات القانون رقم 15.23 المحدث للجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر والقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الاساسي للصحافيين و المهنيين”.
وفي تعليق له على هذا القرار استنكر حميد المهدوي الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية، معتبرا أن الأمر فيه نوع من “التلاعب”، يتعلق بـ “استهداف صحافي” يهدف إلى التضييق على حرية الرأي والتعبير.
من جهة أخرى تجدر الاشارة الى ان اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر رفضت تجديد البطاقة المهنة لحميد المهداوي، برسم سنة 2025.
وعللت اللجنة المذكورة قرارها، حسب قرار المحكمة الإدارية، أن المهداوي “لم يدل بما يثبت أجره الرئيسي يتيح له مزاولة مهنة الصحافة طبقا للمادة 1 من القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين
الصحافة في زمن اليوتيوب: من يُعرّف الصحفي اليوم؟
هذه الاثارة تستدعي مراجعة تعريف مفهومي الصحفي من جهة و اليوتوبير المؤثر من جهة أخرى و ذلك ضمن مقاربة علم الاعلام و التواصل من خلال طرح السؤال المحوري التالي:
إلى أي حد يمكن اعتبار اليوتيوبر فاعلاً إعلامياً يؤدي دور الصحفي، في ظل التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية؟
وهل يُمكن اعتماد نشاطه كامتداد لمهنة الصحافة ، أم أن غياب الضوابط المهنية يضعه خارج إطار العمل الصحفي كما تؤطره نظريات ومفاهيم علم الإعلام؟
من زاوية علم الإعلام:
تعتمد الصحافة، وفق علم الإعلام، على عناصر أساسية مثل: المصداقية، التحقق من المعلومات، الخدمة العمومية، والوظيفة الإخبارية والتفسيرية.
أما اليوتيوبر، فغالباً ما يشتغل خارج هذه المنظومة، ويعتمد على الانتشار، التفاعل، والجاذبية أكثر من اعتماده على المعايير المهنية.
و ادخلت البيئة الرقمية مفهوماً جديداً لـ”المُرسل الإعلامي”، ما يدعو إلى إعادة تعريف الصحفي: هل هو حامل بطاقة؟ أم من يُنتج محتوى إعلامياً بمسؤولية وشروط مهنية، بغض النظر عن المنصة؟
وفق نظرية استخدامات وإشباعات الجمهور (Uses and Gratifications Theory)، (تركز النظرية على لماذا وكيف يختار الجمهور وسائل الإعلام التي تناسب احتياجاته ورغباته). فإن المتلقي لم يعد فقط مستهلكاً سلبياً بل يختار المحتوى الذي يُشبع حاجاته، سواء كان من صحفي أو مؤثر، مما يفتح باب التساؤل حول شرعية الدور الإعلامي لليوتيوبر من منظور تأثيره الفعلي.
هذه الإشكالية تفتح المجال أمام دراسة حدود التداخل بين الصحافة والتأثير الرقمي، ومسؤولية المؤسسات في ضبط المجال الإعلامي دون إقصاء الفاعلين الجدد، ولكن أيضاً دون تمييع صفة الصحافي.
هل يمكن اعتبار المؤثر عبر قنوات التواصل الاجتماعي صحفيًا؟
في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي العالمي، خصوصًا مع تطور تكنولوجيا الاتصال وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، برزت فئة جديدة من الفاعلين في المجال الرقمي تُعرف بـ”المؤثرين” أو “الإنفلونسرز”. هؤلاء الأشخاص يحظون بمتابعة واسعة على منصات مثل إنستغرام، يوتيوب، تيك توك، وفيسبوك، ويشاركون محتوى متنوعًا يشمل الموضة، التجميل، السفر، الرأي العام، وأحيانًا الأخبار والقضايا المجتمعية.
لكن، هل يجعلهم هذا صحفيين؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين مهنة الصحافة كممارسة مؤطرة بقواعد مهنية وأخلاقية، ومهنة التأثير الرقمي التي تفتقد غالبًا إلى هذا الإطار التنظيمي.
أولاً: من هو الصحفي؟
الصحفي هو شخص يمارس مهنة جمع المعلومات، التحقق منها، تحريرها، ثم نشرها عبر وسائل إعلامية معترف بها (صحف، إذاعات، قنوات تلفزية، مواقع إخبارية…). وهو ملزم بأخلاقيات مهنة الصحافة مثل:
المصداقية في نقل المعلومات.
التحقق من المصادر قبل النشر.
الحياد والاستقلالية.
احترام الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية.
وتخضع مهنة الصحافة في الغالب إلى قوانين تنظيمية وترخيص مهني في العديد من الدول.
ثانيًا: من هو المؤثر الرقمي؟
المؤثر الرقمي هو فرد يستخدم منصات التواصل الاجتماعي لبناء جمهور ومشاركة محتوى يؤثر في آراء أو سلوك متابعيه. ويمكن أن يكون المحتوى:
ترفيهيًا أو إشهاريًا.
تثقيفيًا أو تحفيزيًا.
أو أحيانًا يتناول مواضيع اجتماعية أو سياسية.
لكن غالبًا ما لا يخضع المؤثرون لأي تكوين أكاديمي في الإعلام، ولا لأي ضوابط تحريرية أو مهنية في نشر المحتوى، بل تحركهم منطق “الجمهور” و”التفاعل”.
الخلاصة:
لا يمكن اعتبار المؤثر صحفيًا إلا في حالات نادرة، عندما يكون المؤثر:
يتبع الضوابط المهنية للصحافة.
يشتغل ضمن مؤسسة إعلامية معترف بها.
يلتزم بالتحقق من المعلومات ونقلها بمسؤولية.
أما في العموم، فالمؤثر يظل فاعلًا رقميًا جديدًا في منظومة الاتصال، وله دور مهم في تشكيل الرأي العام، لكنه لا يرقى إلى مستوى “الصحفي” بالمفهوم المهني والمؤسساتي للكلمة.
دار بوعزة في 26/05/02025
أحمد أكلكيم

