كتب / عبد الكريم مومن
لطالما بدا الموت في أعين البشر كأعظم مخاوفهم، كأنه نهاية مطلقة تقطع كل شيء. لكن حين نقترب من هذا الخوف ونفككه، نكتشف أنه ليس خوفا من الموت ذاته، بل من الفقد. نخاف فراق من نحب، ونحزن على متع لم تكتمل، ونقلق على من نتركهم خلفنا، ونرتبك أمام غموض المصير. غير أن الجذر العميق لكل ذلك ليس الموت، بل التعلق تعلقنا بما ألفناه من أشخاص وصور وأشياء حتى حسبناها جزءا من كياننا.
الموت ليس إعداما ولا نهاية الزمان والمكان، بل ولادة ثانية:
إذا تأملنا مسار وجودنا، سنجد أن الموت يشبه الولادة أكثر مما يشبه الفناء.
فالولادة لم تكن خروجا من العدم، بل انتقالا من عالم ضيق إلى عالم أوسع. كذلك الموت ليس نهاية، بل عبور من كثافة المادة إلى سعة الروح.
قبل أن نولد، لم نكن عدما محضا، بل كنا في عالم الغيب، في حالة وجود لا تدركها حواسنا. وعندما جئنا إلى الدنيا، كأننا غادرنا ذلك الأصل لنخوض تجربة مؤقتة. بهذا المعنى، الحياة ليست موطنا نهائيا، بل مرحلة عبور.
الحياة غربة، والموت أوبة ( عودة).
عندما ننظر إلى الحياة كأنها سفر أو غربة، يتغير موقع الموت في وعينا بالكامل.
فهو لا يعود نهاية الرحلة، بل لحظة العودة.
نحن لا ننتهي بالموت، بل نرجع إلى الجذور التي انطلقنا منها أول مرة. كأننا مسافرون أرسلنا لمهمة، ثم يأتي وقت الرجوع. بهذا الفهم، الموت ليس غيابا عن الوجود، بل رجوع إلى الموطن الأصلي بعد طول اغتراب.
كيف يذوب الخوف؟
حين ندرك أننا عائدون ولسنا معدومين، تبدأ المخاوف بالتراجع:
فراق الأحبة يصبح تأجيلا للقاء، لا قطيعة نهائية
فقدان المتع يتحول إلى وعي بأن المتع الحقيقية ليست في العابر، بل في الأصل
الخوف من المجهول يهدأ، لأننا لا نذهب إلى مكان غريب، بل نعود إلى ما هو أعمق فينا
الخوف في جوهره هو خوف من الضياع، لكن إذا كان المصير هو العودة، فلا ضياع هناك، بل استرجاع.
الموت كتحرر
بهذا المنظور، لا يعود الموت خصما للحياة، بل اكتمالا لها.
إنه اللحظة التي تنفك فيها قيود التعلق، وتتلاشى هيمنة المادة، ويستعيد الإنسان صفاءه الأول.
الموت ليس انطفاء، بل انكشاف.
ليس خسارة، بل تحول.
ليس نهاية.
عندما نعيد تعريف الموت، تتغير نظرتنا للحياة نفسها.
فنحن لسنا كائنات تسير نحو العدم، بل مسافرون في طريق العودة.
الموت ليس نهاية الحكاية بل بداية الرجوع إلى أصلها.
إذا أصل الخوف من الموت ليس الموت نفسه وإنما التمسك بالأشياء، إنه مثل أب ينادي إبنه للعودة لكن الطفل مثل شخص بقرية ألعاب لايريد فراق تلك المدينة فرغم أنه يحب أبوه لكنه تعلق بالألعاب ولايريد التخلي عنها، فالأب يحب إبنه ولايريد حرمانه بل يريد أخده لمكان أجمل وأروع.

