الكاتب : الحسين افقير
المشهد الأخير في سبتة كان صادمًا.. ومرعبًا بصراحة. آلاف الشباب، وحتى الأطفال، يرمون بأنفسهم في البحر أو يندفعون نحو الحدود البرية بأي ثمن. لم نرَ اندفاعًا بهذا الحجم منذ تلك الأزمة في 2021.آلاف الشباب يخرجون من البحر ويركضون بلا هوادة نحو أسوار سبتة.مشهدٌ صادم؟ نعم.. لكنه للأسف يتكرر مع كل فرصة تحين للشباب للهجرة نحو الحلم الأوروبي لدرجة توجع القلب.
عندما تراهم، تدرك فورًا أننا عالقون في نفس الدوامة منذ سنوات. لا شيء تغيّر؛ نفس اليأس الذي يدفع الشباب الحالمين بالهجرة للمخاطرة بحياتهم لمجرد العبور إلى أوروبا من بوابة سبتة أو مليلية.
ورغم كل الحواجز والتشديدات الأمنية من الجانبين المغربي والإسباني، إلا أن اليأس والإحباط يدفعان الشباب لابتكار حلول مجنونة. كل ذلك من اجل الحلم الأوروبي أو الفردوس المفقود.
عندما تشاهد فيديوهات هذا التدافع على مواقع التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار، تدرك فورًا أن كل ما يذاع في الإعلام ومفاهيم عن “الهجرة غير الشرعية” لا تعبر عن الحقيقة. ما نراه ليس مجرد ذلك الخطاب الانشائي الذي يتم تمريره عبر وسائل الإعلام العمومي ، لإيهام الناس أن هناك من يقف وراء ذلك، وغيرها من العبارات الجاهزة التي يستعملها السياسيون عندنا لتبرير فشل برامجهم، ولا يحتاج لعلماء اجتماع ليخبرونا أنه “حادثة شاملة”. الأمر أبسط من ذلك بكثير: هذا الانفجار البشري هو مجرد انعكاس مباشر وقاسٍ للضغط المكتوم والأزمات اليومية التي تدفع هؤلاء للهروب.
عندما تتأمل صور هؤلاء الشباب، وتشاهد فيديوهات التدافع نحو ما يرونه طوق نجاة، تدرك فوراً أن الكارثة أعمق بكثير من مجرد “البحث عن فرصة عمل”. نحن أمام جيل فقد إيمانه بكل شيء تقريباً: لم يعد يؤمن بالمدرسة، بالجامعة، وبفكرة أنك يجب أن تعمل بجهد لكي تنجح داخل وطنك.
لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن تناقشه النخبة السياسية والحكومة التي دفنت رأسها في الرمال هذه الأيام، وكذلك الإعلام العمومي هو لماذا يرمي كل هؤلاء بأنفسهم إلى التهلكة الآن؟ لماذا قرروا ترك الوطن؟ لماذا في لحظة معينة تدافعوا تاركين كل شيء؟ لماذا ولماذا هناك الكثير من الأسئلة التي لن يجدوا لها جوابا سوى تخوين الباحثين عن الهجرة، أو أن هناك قوى تحركهم فقط، لا يهمهم هجرة الشباب للبحث عن الأفضل، ما يهمهم هو أن يستغلوا هذا الشباب في معاملهم ومصانعهم بأجور هزيلة، لعل الأمر واضح هو هروب الكثير من معامل “الكابلاج” التي تستعبد آلاف الشباب بدراهم لن تكفي حتى لدفع إيجار شقة. يجب ان نفهم ما يجري على أرض الواقع وأن نحتك بالشباب الحالمين بالهجرة المندفعين لتحقيق أحلامهم الموؤدة في بلد لا يعترف بالحلم، يجب أن نبتعد عن العناوين الصحفية التي تقفز علينا كل ثانية، بأخبار وعناوين لم تعد تغري أحداً لقراءتها بل لتصدر المشهد فقط، وإيهام القارئ أن هناك جهة ما تحرض الشبابوأن هناك من لا يريد لنا الخير، كفى ترويجاً لهذه الخطابات البئيسة التي تخون شبابنا، كفى من رمي اللوم على الآخر، فالأمر واضح هو أن الشباب يريد أن يغير وضعه الاجتماعي والاقتصادي، لأن البرامج الحكومية لا تضعه نصب أعينها هذا هو الجواب، هؤلاء الشباب وصلوا إلى طريق مسدود؛ نقطة نفسية خانقة أصبح فيها احتمال الغرق والموت في البحر أقل رعباً وقسوة من البقاء في مكان يشعرون أنه لا مستقبل لهم فيه.
فالشباب فقد الثقة في الحكومة، وفي النخب السياسية التي لا يفصلها عن القبر سوى بضعة أيام، ومازالت متمسكة بالكرسي الحزبي لا تود أن تفارقه، يرون في أنفسهم شبابا والشباب عجزة، والدليل على ذلك هو تسقيف السن في بعض المباريات الوظيفية، بحيث تجد سياسيا عجوزا في التسعين من عمره يضع لشاب شرط أقل من ثلاثين سنة لاجتياز مباريات الوظيفة العمومية، عندما تسأله لماذا هذا تسقيف يجيبك بغية تجويد الادارة بأطر شابة من امثاله، هذا بحد ذاثه مثال على امتداد الرغبة لدى الشباب في الرحيل للبحث عن أفق أرحب.
يلاحظ أن هناك غياب سياسة عمومية تفتح نقاشا جديا حول الهجرة، وأن الأحزاب والفاعلين المؤسساتيين يتفاعلون بكثافة مع عدد من القضايا السياسية والخطابات الرسمية، لكنهم يغيبون حين يتعلق الأمر بقضية تمس مستقبل جيل كامل. ومرد ذلك أن قضية تشغيل الشباب والقضاء على البطالة لا تحظى بالمكانة التي تستحقها داخل النقاش السياسي والحزبي، رغم أن صور الشباب وهم يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة تحمل رسالة اجتماعية لا يمكن اختزالها في عبور غير نظامي للحدود.
إن الهجرة تتحول الى مشروع وجودي، حين يفقد الشباب الثقة في المستقبل، لا يكون الهدف منه فقط الحصول على دخل أفضل، بل البحث عن الاعتراف والكرامة وإمكان إعادة بناء المسار الشخصي. فالتحدي الحقيقي الذي يجب على المغرب أن يواجهه ليس ضبط الحدود، بل ببناء أفق اجتماعي واقتصادي يعيد الثقة للشباب والأسر في مستقبلهم داخل الوطن ففقدان الثقة يدفع الشباب إلى المخاطرة بحياته بحثًا عن آفاق أخرى. مع القضاء على مظاهر الريع والفساد وتراجع العدالة الاجتماعية، فهذه المسؤولية تتحملها النخب السياسية والاقتصادية التي لن نرى لها حسا ولا صوتا إلا في المواسم الانتخابية. خلالها تبدأ بالخروج من جحورها لتتذكر أنه هناك مواطنين أوصلوهم للسلطة يجب أن يصلوا معهم صلة الرحم الانتخابي.

