Le212news.ma
قراءة سوسيو إعلامية في تشكل مسار هجرواي جديد
قبل سنوات، كانت طرق الهجرة غير النظامية نحو أوروبا ترتبط في المخيال الجماعي المغربي بقوارب الموت المنطلقة من سواحل الشمال أو الجنوب، أو بشبكات التهريب التي تعمل في الخفاء. أما اليوم، فقد برز مسار آخر أكثر تعقيداً وأسرع انتشاراً، يتمثل في التوجه الجماعي نحو مدينة سبتة، حيث لم تعد الهجرة مجرد قرار فردي، بل أصبحت سلوكاً جماعياً يتشكل داخل الفضاء الرقمي قبل أن ينتقل إلى الواقع. لقد كشفت الأحداث الأخيرة أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد وسيطاً لنقل الأخبار، وإنما أصبحت فاعلاً مركزياً في تأطير الحركات الاجتماعية وصناعة دينامياتها، بما في ذلك تلك المرتبطة بالهجرة.
من الحركات الاجتماعية التقليدية إلى الحركات الرقمية
في الأدبيات السوسيولوجية، كانت الحركات الاجتماعية تقوم على وجود تنظيم، وقيادة، ومطالب واضحة، وآليات للتعبئة الميدانية. أما في العصر الرقمي، فقد تغيرت بنية هذه الحركات بشكل جذري. فقد أصبحت منصات مثل “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستغرام” و”تلغرام” فضاءات للتعبئة السريعة، حيث يمكن لمنشور واحد أو فيديو قصير أن يحشد مئات أو آلاف الشباب خلال ساعات قليلة، دون الحاجة إلى قيادة أو تنظيم هرمي.
ومن هذا المنطلق، فإن الهجرة الجماعية نحو سبتة يمكن قراءتها بوصفها شكلاً جديداً من الحركات الاجتماعية الرقمية، التي لا تحركها مؤسسة أو جمعية، وإنما تقودها الخوارزميات ومنطق الانتشار الفيروسي للمحتوى.
سبتة… من معبر حدودي إلى مسار هجرواي جديد
لفترة طويلة، ارتبطت سبتة بكونها نقطة عبور محدودة تخضع لظروف أمنية وجغرافية معقدة. غير أن ما شهدته المدينة في الآونة الأخيرة يكشف تحولها إلى مسار هجرواي جديد داخل المخيال الشبابي المغربي.
ولا يتعلق الأمر فقط بالقرب الجغرافي، بل أيضاً بما تنتجه المنصات الرقمية من صور ومقاطع فيديو توحي بأن الوصول إلى سبتة يمثل فرصة واقعية للانتقال إلى الفضاء الأوروبي. وهكذا تتحول المدينة، عبر التداول الرقمي، من فضاء حدودي إلى رمز للأمل في مستقبل أفضل، بغض النظر عن حقيقة المخاطر التي تكتنف هذه المحاولة.
إن هذا التحول لم تصنعه الوقائع وحدها، بل ساهمت في بنائه السرديات الرقمية التي انتشرت بسرعة، وأعادت إنتاج صورة سبتة باعتبارها “المسار الأقرب” نحو أوروبا.
التأطير الرقمي وصناعة القرار الجماعي
تؤكد المقاربة السوسيو إعلامية أن وسائل الإعلام لا تنقل الواقع فحسب، وإنما تؤطره (Framing)، أي تقدم له تفسيراً يحدد كيفية فهمه والتفاعل معه.
وفي حالة الهجرة نحو سبتة، لعبت شبكات التواصل دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة، وفرت معلومات لحظية حول التحركات والطرق ونقاط التجمع، ومن جهة أخرى، أنتجت مناخاً نفسياً جماعياً قوامه الإحساس بأن “الجميع يهاجر”، وهو ما يولد ضغطاً اجتماعياً يدفع مزيداً من الشباب إلى تقليد السلوك نفسه.
وهنا يتجلى تأثير ما يسميه عالم الاجتماع غابرييل تارد بـ”قانون التقليد”، الذي أصبح اليوم يتخذ شكلاً رقمياً، حيث تنتشر السلوكيات عبر المشاهدة والمشاركة وإعادة النشر، أكثر مما تنتشر عبر الاحتكاك المباشر.
الخوارزميات… القائد الجديد للحركات الاجتماعية
إذا كانت الحركات الاجتماعية في القرن الماضي تحتاج إلى زعيم أو قائد ميداني، فإن الحركات الرقمية أصبحت تقاد بخوارزميات المنصات.
فالخوارزمية تمنح الأولوية للمحتوى الأكثر تفاعلاً، بغض النظر عن دقته أو أثره الاجتماعي. وكلما ارتفعت نسب المشاهدة والمشاركة، اتسعت دائرة الانتشار، وتكونت قناعة لدى المتلقي بأن الحدث واسع النطاق، وأن المشاركة فيه أصبحت أمراً عادياً أو حتى ضرورياً.
وهكذا، لم تعد القيادة شخصية، بل أصبحت رقمية، تمارس تأثيرها عبر ترتيب المحتوى وتحديد ما يراه المستخدم وما يختفي عنه.
إعلام تقليدي خارج دائرة التأثير
في مقابل هذه السرعة الرقمية، بدا الإعلام التقليدي في موقع المتلقي أكثر منه في موقع المبادر. فقد انشغل بتغطية الوقائع بعد حدوثها، بينما كانت شبكات التواصل قد أنجزت بالفعل مرحلة التعبئة والتأطير وصناعة السردية.
وهذا يفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في وظائفها، بحيث لا تقتصر على نقل الخبر، وإنما تتجه نحو الصحافة التفسيرية، والتحقق من المعلومات، وتفكيك السرديات الرقمية، وتعزيز الثقافة الإعلامية لدى الشباب.
الهجرة الرقمية… تعبير عن أزمة الثقة
إن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني أو الاقتصادي يظل قاصراً عن تفسيرها بالكامل. فالهجرة الجماعية نحو سبتة تعكس أيضاً أزمة ثقة في قنوات الوساطة التقليدية، حيث أصبح الشباب يبحث عن الإجابة داخل الفضاء الرقمي أكثر مما يبحث عنها داخل المؤسسات الاجتماعية والسياسية.
لقد أصبحت المنصات الاجتماعية بالنسبة إلى كثير من الشباب فضاءً لإنتاج المعنى، وبناء التوقعات، واتخاذ القرار، وهو ما يمنحها سلطة رمزية غير مسبوقة في تشكيل السلوك الجماعي.
خاتمة
تكشف الهجرة الجماعية للشباب نحو سبتة، باعتبارها مساراً هجرواياً جديداً، عن تحول عميق في طبيعة الحركات الاجتماعية في العصر الرقمي. فلم تعد هذه الحركات تُبنى داخل المقرات الحزبية أو الجمعيات المدنية، بل داخل الفضاءات الافتراضية التي تصنعها الخوارزميات، وتغذيها الصور، وتسرعها آليات المشاركة الفورية.
ومن منظور سوسيو إعلامي، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي الانتقال من سؤال “لماذا يهاجر الشباب؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “كيف أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تؤطر قرار الهجرة، وتصنع له شرعية اجتماعية، وتحوله من خيار فردي إلى سلوك جماعي؟” فالإجابة عن هذا السؤال أصبحت مدخلاً أساسياً لفهم التحولات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة، حيث لم تعد وسائل الإعلام مجرد مرآة للواقع، بل غدت أحد أبرز صانعيه.

