كتب : أحمد أكلكيم
يحلّ اليوم الوطني للإعلام، الذي يصادف 15 نونبر من كل سنة، وقطاع الإعلام المغربي يعيش واحدة من أكثر لحظاته تعقيداً منذ بدايات التحول الرقمي. فبين تسارع الثورة التكنولوجية، وتمدّد المنصات الرقمية، وانهيار نماذج التمويل التقليدية، وتراجع ثقة الجمهور، يجد الإعلام الوطني نفسه أمام مفترق طرق يفرض إعادة التفكير في موقعه ووظيفته وأدواره داخل المجتمع.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه ضمن مقاربة سوسيو-إعلامية هو:كيف يمكن للإعلام المغربي أن يقاوم مدّ الرقمنة، وما ترتّب عنها من انعكاسات سلبية على المتلقي، باعتباره الحلقة المركزية في عملية الاتصال والتواصل؟
أولاً: الرقمنة وتفكك علاقة الإعلام بالجمهور
لقد أدت الرقمنة إلى تفكك العلاقة التقليدية بين الإعلام والجمهور، حيث تحول الجمهور من مجردمستقبل للمعلومات إلى شريك ومتفاعل ومنتج للمحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، مماخلق علاقات أكثر تعقيدًا وتفاعلية. هذا التغير أثر على دور وسائل الإعلام التقليدية وسمح بظهورصحافة المواطن، لكنه خلق أيضاً تحديات تتعلق بمصداقية المعلومات وانتشار الأخبار الكاذبة الأمر الذي إلى تغيير عميق في أنماط الاستهلاك الإعلام بحيث أصبح المتلقي متلقياً-منتجاً في الوقت نفسه، ينتقي ويشارك ويخلق المحتوى.و قد انعكس هذا الأمر على دور الوساطة الإعلامية التقليدية الذي تراجع لصالح “منصات” لا تخضع لقواعد المهنة ولا لأخلاقياتها.
كما ساعد على انتشار الأخبار الزائفة والشائعات، مما أثّر على جودة النقاش العمومي وعلى الثقة في المؤسسات.
هذه التحولات لم تضرب فقط بنيات الإنتاج الإعلامي، بل مسّت علاقة الجمهور بوسائل الإعلام، فأصبح المتلقي يعيش حالة تشظٍّ معرفي، يفتقد معها القدرة على التمييز بين الخبر والتحليل والمعطى المفبرك. وهنا تتجلى إحدى أخطر انعكاسات الرقمنة: ضياع البوصلة المعرفية داخل الفضاء العمومي.
ثانياً: البيئة المتردّية للقطاع… أزمة تمثيلية وأزمة قوانين
لا يمكن الحديث عن مواجهة الرقمنة دون التطرق إلى الوضع البنيوي المتأزم الذي يعيشه قطاع الإعلام بالمغرب و ذلك بشهادة خبراء ومسؤولون سابقون ومهنيون في القطاع ، معتبرين أنهيمر بأزمة حقيقية تهدد جوهر العمل الصحفي واستقلاليته، مشددين على ضرورة اتخاذ خطواتعاجلة لإصلاح المنظومة الإعلامية بشكل يعيد لها دورها الحيوي في دعم المسار الديمقراطيوخدمة الصالح العام.
و هكذا نجد أن من بين أهم الاوراش التي يجب أن تشكل أولوية الأولويات ؛أزمة التمثيلية وتآكل المؤسسات المهنية، أزمة أخلاقيات المهنة و حرية الصحافة و حرية التعبير
فالمجلس الوطني للصحافة يعيش حالة شلل مؤسساتي غير مسبوقة ألقت بظلالها علىالمهنة وعلى مسار تنظيمها الذاتي. فالمجلس، الذي وُلد ليكون إطاراً يضمن أخلاقيات الممارسةويصون حرية الصحافة ويواكب مهنييها، يجد نفسه اليوم محاصراً بتجاذبات تنظيمية وقانونيةعطّلت وظائفه الأساسية، وعمّقت شعور المهنيين بغياب البوصلة في زمن يحتاج إلى وضوحالرؤية وإلى مؤسسات فعّالة.
هذا الوضع لا يمسّ فقط صورة المجلس، بل ينعكس على الحياة الإعلامية برمتها، إذ يعيد إلىالواجهة سؤال الحكامة والفعالية، ويضع مستقبل المهنة أمام تحديات معقّدة تتجلى معظمها في الفراغ الحاصل في آليات الضبط الذاتي والوساطة الأخلاقية و ايضاً في غياب لجهة تحتضن انشغالات الصحافيين والمقاولات الإعلامية.
و أمام هذا الفراغ، أصبحت الساحة الإعلامية تعيش فوضى حيث الاختلاط في الخطاب، و السباق نحو الإثارة، وتراجعا لمهنة تقوم على التحقق والتدقيق والمسؤولية.
ومع تصاعد المحتوى السطحي والبحث عن التفاعل السريع، فقد القطاع جزءاً من رسالته الأصلية: تنوير الرأي العام في إطار احترام الحق في المعلومة والواجب المهني
أما فيما يتعلق بحرية الصحافة وحرية التعبير ،نجد انه رغم المكتسبات المهمة خلال العقدين الأخيرين، لا يزال النقاش قائماً حول:
قضية الهامش الحقيقي لحرية التعبير وقدرة الصحافة الجادة على العمل دون ضغوط اقتصادية أو سياسية وحماية الصحافيين من المتابعات التي ترتبط بقضايا غير صحافية.
لذلك ،فغياب منظومة قانونية متكاملة، يجعل من حرية الصحافة حقاً مؤجلاً وممارسة محاطة بالتردد والقلق.
ثالثاً: كيف يقاوم الإعلام المغربي مدّ الرقمنة؟
رؤية سوسيو-إعلامية
ضمن هذا السياق المركّب الذي يعيشه قطاع الإعلام المغربي ، فإن مقاومة الرقمنة تصبح ليست بالمعنى التقني، بل بمعنى استعادة الدور الاجتماعي للإعلام و الذي لا يمكن تحقيقه الا عبر إعادة بناء علاقة الثقة مع الجمهور
في هذا الصدد ، كشف تقرير معهد رويترز للصحافة حول الأخبار الرقمية لسنة 2024 واقع الثقة التي تحوزها وسائل الإعلام بالمغرب من طرف القراء، مصنفا ا المغاربة ضمن الشعوب الأقل ثقة في الإعلام.
وحسب ذات التقرير ،فإن الثقة العامة في مصادر الأخبار بالمغرب منخفضة إلى 31 بالمائة، مايجعل المغرب في المرتبة الـ38 من بين 47 دولة شملها الاستطلاع.
وأرجع التقرير أسباب عدم ثقة المغاربة في الإعلام وفق تصريحاتهم في استطلاع رويترز إلى ضعفي الاستقلالية، وتجنب الخوض في المواضيع الحساسة، وعكس جل المواد الإخبارية في الغالب لآراء الحكومة ووجهات نظرها مع تغييب وجهة نظر المعارضة
و للخروج من هذه الوضعية ، فإن الإعلام المغربي مطالب بالعودة إلى التحقيق والتفسير والتحليل بدل إعادة تدوير ما يوجد في المنصات،مع تعزيز حضور الإعلام القائم على المعرفة في مواجهة سيل المحتوى السطحي.
إلى جانب مسألة تعتبر ذات أهمية و يتعلق الأمر بتمكين المتلقي من أدوات التربية الإعلامية لمساعدته على التمييز بين الصحيح والزائف.
كما ان تأهيل البنية القانونية والتنظيمية اصبح من الاستعجالات من خلال التسريع بالمصادقة على مشاريع القوانين المتعلّقة بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ضماناً لاستمرار آليات الضبط الذاتي،وضع إطار واضح للمؤسسات الإعلامية الرقمية، بما يضمن احترام أخلاقيات المهنة دون التضييق على حرية التعبير،مع التركيز على الاستثمار في العنصر البشري كفاعل مركزي في العملية التواصلية، و لعل ذلك لن يتأتى إلا من خلال تكوين الصحافيين في الصحافة المتعددة الوسائط و دعم المقاولات الإعلامية كي تتكيف مع نماذج اقتصادية جديدة و تشجيع الصحافة التحليلية التي تواكب التحولات المجتمعية وتساهم في صناعة الوعي.
خلاصة: مقاومة الرقمنة ليست رفضاً للتطور… بل دفاعاً عن وعي المجتمع
إن التحدي الحقيقي ليس في مواجهة الرقمنة باعتبارها قدراً تقنياً، بل في امتلاك القدرة على إدارة أثرها الاجتماعي.
الإعلام المغربي قادر على استعادة مكانته إذا تحولت الرقمنة من مصدر تهديد إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقة مع الجمهور، شرط توفّر إرادة سياسية ومهنية لتجويد القوانين، وتقوية المؤسسات، وحماية حرية التعبير، والارتقاء بممارسة المهنة.
وبمناسبة اليوم الوطني للإعلام، يظل السؤال مفتوحاً:هل نملك الشجاعة الجماعية لإعادة بناء إعلام قادر على حماية المجتمع من فوضى المحتوى، وصون الحق في المعلومة، والدفاع عن الوعي العام … ؟

