Le212news.ma
في الوقت الذي يستعد فيه الاتحاد الأوروبي للمصادقة النهائية على إصلاحات جديدة لتعزيز حقوق المسافرين جواً، تتضمن من بين ما تتداوله الأوساط الأوروبية إجراءات تمنح الأطفال دون سن الرابعة عشرة امتيازات أوسع في السفر، يبرز سؤال مشروع بالنسبة للمغرب: لماذا لا يتم التفكير في مبادرة مماثلة تستهدف المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة خلال موسم العطلة الصيفية الذي يشهد أكبر حركة تنقل نحو أرض الوطن؟
لا يتعلق الأمر بمجرد امتياز تجاري أو تخفيض ظرفي في أسعار التذاكر، بل برؤية استراتيجية تجعل من النقل الجوي أداة لتعزيز صلة الأجيال الجديدة من أبناء الجالية المغربية بوطنهم، وتشجيع الأسر على اختيار الطائرة بدل السفر البري الطويل الذي يمتد لآلاف الكيلومترات قبل الوصول إلى المغرب.
فكل صيف، تخوض آلاف الأسر المغربية المقيمة بأوروبا رحلة شاقة عبر الطرق السيارة الأوروبية ثم العبور البحري، وهي رحلة تستغرق في كثير من الأحيان يومين أو ثلاثة أيام، وتستهلك جزءاً مهماً من العطلة، فضلاً عما يرافقها من إرهاق نفسي وجسدي، خاصة بالنسبة للأطفال.
ولو تم اعتماد مبادرة تمنح الأطفال دون سن معينة مجانية السفر، أو على الأقل تخفيضات كبيرة في أسعار التذاكر، فإن ذلك ستكون له انعكاسات إيجابية متعددة، أولها تشجيع عدد أكبر من الأسر على زيارة المغرب سنوياً، بما يعزز الروابط الأسرية والثقافية بين أبناء الجالية ووطن الآباء والأجداد، ويجعل ارتباطهم بالمغرب أكثر رسوخاً.
ومن بين المكاسب المنتظرة أيضاً، تقليص الاعتماد على السفر بالسيارات الخاصة، وهو ما قد يساهم في الحد من حوادث السير التي تقع كل صيف على الطرق الأوروبية والمغربية، والتي تذهب ضحيتها أحياناً أسر كانت في طريقها لقضاء عطلتها بين أهلها.
كما أن تشجيع النقل الجوي من شأنه أن يخفف الضغط الكبير الذي تعرفه الموانئ البحرية خلال عملية “مرحبا”، ويجعل عملية العبور أكثر سلاسة، مع توزيع أفضل لحركة الوافدين بين المطارات والموانئ، بما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للجالية.
ولا يقل أهمية عن ذلك عامل الزمن؛ فاختيار الطائرة بدل السيارة يمنح الأسرة أياماً إضافية من العطلة داخل المغرب، بدلاً من إهدار جزء معتبر منها في رحلة طويلة ومحفوفة بالمخاطر. وهذه الأيام الإضافية تعني وقتاً أكبر مع العائلة، واستهلاكاً سياحياً أكبر داخل المدن المغربية، وحركية اقتصادية يستفيد منها عدد من القطاعات.
صحيح أن أي مبادرة من هذا النوع تحتاج إلى دراسة مالية دقيقة، وإلى انخراط مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم Royal Air Maroc، غير أن الاستثمار في الجالية المغربية لا ينبغي أن يُقاس فقط بمنطق الربح المباشر، بل بما يحققه من آثار اقتصادية واجتماعية ووطنية على المدى المتوسط والبعيد.
لقد أثبت المغاربة المقيمون بالخارج، عبر تحويلاتهم المالية واستثماراتهم وارتباطهم المتواصل بوطنهم، أنهم يشكلون رافعة أساسية للاقتصاد الوطني. ومن ثم، فإن التفكير في إجراءات مبتكرة لتيسير تنقلهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال، قد يكون رسالة تقدير عملية لهذه الفئة، واستثماراً في ترسيخ علاقة الأجيال الصاعدة بالمغرب.
لعل ما يجري اليوم في أوروبا يفتح الباب أمام نقاش وطني حول سياسات النقل الجوي الموجهة للجالية. فليس المطلوب بالضرورة استنساخ التجربة الأوروبية بحذافيرها، وإنما استلهام روحها، والبحث عن حلول مغربية تراعي خصوصية الجالية وإمكانات الناقل الوطني، وتضع مصلحة الأسرة المغربية في صلب الاهتمام.
فهل يأتي اليوم الذي يصبح فيه سفر أطفال الجالية إلى المغرب أسهل وأقل كلفة، بما يجعل رحلة العودة إلى الوطن مناسبة للفرح، لا عبئاً مالياً يثقل كاهل الأسر كل صيف؟

