الكاتب سعيد ودغيري حسني
حضرت يوم الثاني من يوليوز حفل الافتتاح بالمركز الثقافي الحسنى
لم يكن يوما عاديا في رزنامة المدينة بل موعدا استثنائيا مع الإبداع
كانت الدهشة تسير على الأرصفة والأنغام تتسلل من النوافذ والوجوه مشرقة كأنها على موعد مع الولادة الأولى للفن
دخلت المكان وقلبي يسبق قدمي
في عيني بريق الأمل وفي روحي خفة العاشق الذي جاء ليلتقي بنصفه الآخر في لوحة أو نغمة أو ابتسامة فنان
كنت بصحبة الصديق والأخ
رجل الأعمال النبيل وأحد الداعمين الأوفياء للفن وللمبادرات الراقية
السيد الجليل سعيد عبد القادر الفكيكي
الذي يرأس مؤسسة سعيد ومجموعة SOS
رجل لا ينظر إلى الفن كترف بل كرسالة
ولا يرى في الإبداع زينة بل ضرورة
حاضر بقلبه قبل حضوره
يسند المواهب ويرفع من شأن المبدعين
يده ممدودة للخير وعقله مفتوح على كل ما من شأنه أن يصنع الجمال ويزرع بذور التغيير
المركز الثقافي الحسنى كان شعلة تلك الليلة
تحول إلى جسر من نور
اللوحات التشكيلية تملأ الجدران
ألوان تتنفس وتنبض وتروي حكايات
نصف مداخيل المعرض خُصصت للأعمال الخيرية
كأن الفن قرر أن يعيد للإنسان إنسانيته
أن يطعم الجائع بلون
ويضمّد الجراح بضربة فرشاة
وفي القلب من الاحتفال
أوركسترا زخارف الأنغام
برئاسة المايسترو الدكتور نبيل بن عبد الجليل
رجل موسيقى لا يكتفي بالعزف بل يعيد توزيع التراث ليمنحه روحا جديدة
أوركسترا تضم أجناسا موسيقية متنوعة
أصوات وأنغام تزاوجت في تناغم باهر
عزفت تراث المغرب بروح المجدد لا المقلد
كأنها تقرأ ذاكرة الوطن وتكتبها من جديد
بتوزيع فني دقيق واجتهاد جريء
الفرقة الصوتية والموسيقية كانت نجمة المساء
عندما تعزف التراث بإحساس جديد
تشعر أن الماضي لم يمت بل يرتدي عباءة الحاضر

ومن رحم هذا الإبداع ولدت جمعية جسر الفن
برئاسة الأستاذ محمد البركاوي
فنان ومثقف ومهندس أرواح
رجل يحمل قبعات عديدة
يقف على مفترق الطرق بين الفن والتربية والشباب
يبني مساحات للأمل من أنقاض الإهمال
يسعى إلى أن يجعل من الفن ضرورة يومية
مثل الخبز والماء
لا يتحدث عن الفن كشكل بل كمضمون
كجسر لا كحائط
كأفق لا كزينة
جمعية جسر الفن ليست فقط منظمة
بل رؤية
رؤية تؤمن بأن الفن مرآة المجتمع
وبأن الفنان هو الورقة الأولى التي تُكتب في دفتر التغيير
وأن دعم الشباب المبدع هو استثمار في الوطن
تعمل الجمعية على تمكين الفنانين
تمنحهم منصات للتعبير
تحتضن الناشئين والراشدين
وتسهم في خلق جمهور جديد واعٍ
تؤمن أن الذوق الفني لا يولد صدفة
بل يُصنع بالتربية والممارسة والانفتاح
تنظم الورشات واللقاءات
وترفع منسوب الذائقة الجمالية داخل المجتمع
تعزز الحوار الفني
وتدعم كل أشكال التعبير
من المسرح إلى التشكيل
من الموسيقى إلى الشعر
ليلة الثاني من يوليوز كانت أكثر من أمسية فنية
كانت لحظة منيرة في دفتر المدينة
كان فيها الفن يمد يده إلى الجمهور
وكان الجمهور يتلقى النغمة كما يتلقى النعمة
كنا شهودا على ولادة نادرة
ولادة مشروع يؤمن بأن للفن دورا في التنمية
وأن للثقافة جذورا تنبت في كل قلب طيب
وكل روح تبحث عن الجمال
زبدة القول
إن ما شهدناه في المركز الثقافي الحسنى لم يكن مجرد حفل
بل بيان تأسيسي لجيل جديد من الفن
جيل يقوده العارفون بحقيقة الفن كقيمة
ويحتضنه الداعمون النبلاء كالسيد سعيد عبد القادر الفكيكي
ويرسمه المبدعون في جمعية جسر الفن
ليكون جسرا حقيقيا بين الموهبة والفرصة
بين الحلم والتحقق
وبين النغمة والكرامة
وهكذا
تصير اللوحة دعاء
والأنغام وطن
والفن بيتا يسع الجميع

