نييويورك / عبد الكريم مومن
الكلمات المفتاح: العدالة- العقليات- الإبتكار- الريع- الرقمنة- التايمينغ- التوازن الإجتماعي- النتيجة
الأساس: قبل أي بناء يجب وضع أساس مثين وإلا بغيابه لن يكون البناء مستدام.
لا منافسة مع وجود الريع، ولا إبتكار في غياب المنافسة، ولا حلول دون تعليم وتكوين متطابق مع حاجيات السوق
النموذج التنموي الجديد (NMD) يمثل إطارا استراتيجيا لائقا، لكن تحقيق العدالة المجالية يستوجب تجاوز أفكاره العامة إلى حلول تشغيلية جذرية تواجه بجرأة مقاومة التغيير وتُكرس الإبتكار كقاعدة للنمو.
1- التحدي الفلسفي: التكامل يحل محل التضامن (مقارنة نقدية)
يكمن التحدي الأول في كيفية تحويل التنمية من فعل رد فعل (إعانة/تضامن) إلى فعل هجومي (تكامل/استثمار فعال).
مقاربة NMD (الرؤية العامة)
تركز الرؤية الحالية على توجيه الدعم للمناطق الأقل حظا وتحسين المؤشرات الاجتماعية. هذا يظل في إطار التضامن الذي يغفل في كثير من الأحيان عن إشكالية المردودية الاقتصادية للمشاريع المنجزة.
الحل التشغيلي المقترح (التحدي الفعلي)
يجب تبني مفهوم التكامل الوظيفي عبر:
بناء سلاسل قيمة وظيفية: تحويل المناطق الداخلية إلى مورد استراتيجي (طاقة نظيفة، لوجستيك، صناعة أولية) مرتبط عضويا بالمركز الاقتصادي الساحلي، بدلا من مجرد كونها سوقا استهلاكية.
التخصص الذكي وسد الفجوات الدولية: لا ينبغي أن تستثمر الجهات فيما تستطيع فعله، بل فيما يُطلب عالميا. يجب التركيز على المنتجات ذات القيمة العالية (التكنولوجيا) وكذلك المنتجات التي تتجنبها الدول المتقدمة لقلة مردوديتها (Niche Markets)، مما يضمن سوقا تصديرية مستدامة للمناطق الداخلية ذات الكثافة العمالية.
2- تحدي العقليات: التوقيت، الإبتكار، والقطع مع الريع ( لا منافسة مع وجود الريع، ولا إبتكار في غياب المنافسة):
إن الإصلاحات الاقتصادية تفشل في الغالب بسبب مقاومة عقلية المستفيدين من الوضع القائم. الحل هو فرض التغيير ضمن آجال زمنية واضحة وتقديم بدائل تنافسية لضمان التزام الجميع.
مقاومة عقلية المستفيدين والآجال الزمنية
الاستفادة من الريع والاحتكار يمثل العائق الأكبر أمام التنافسية والعدالة المجالية. لمقاومة عقلية مقاومي التغيير والمستفيدين من الإحتكار والريع يجب اتخاذ قرار حاسم:
وضع تايميينغ نهائي: يجب وضع تاريخ نهائي (خمس سنوات كحد أقصى) لإنتهاء كل أشكال الريع، والتراخيص المحدودة، والاحتكارات القطاعية التي تمنح امتيازات خاصة دون مبرر اقتصادي واضح (ربط الولاء بالإنتاج).
حلول إبتكارية لدعم المنافسة: لتعويض الآثار السلبية لإلغاء الريع على بعض القطاعات، يجب تقديم حلول إبتكارية:
تحويل الحوافز إلى أداء: ربط الدعم الحكومي والامتيازات بـالنتائج القابلة للقياس (خلق فرص الشغل المستدامة، حجم التصدير، الإنفاق على البحث والتطوير) بدلا من الربط بالصفة أو الرخصة.
تسهيل الدخول للسوق: رقمنة وتسريع وتوحيد القوانين لتيسير دخول المنافسين الجدد برأس المال الراكد، مما يزيد من العرض ويخفض الأسعار، وهو الضمان الحقيقي للمنافسة.
3- التحدي التشغيلي: رقمنة سلاسل التوزيع وإدماج الشباب
تظل الفجوة الأكبر بين الرؤية والتطبيق هي كيفية دمج الاقتصاد غير المهيكل (مثل الأسواق الأسبوعية) في الاقتصاد الرقمي الحديث.
أ- رقمنة الأسواق وتكوين الوسطاء
يجب تحويل الأسواق التقليدية إلى أقطاب اقتصادية رقمية ومنظمة:
رقمنة الأسواق الأسبوعية: إدماج هذه الأسواق كـمنصات لوجستية شفافة عبر رقمنتها وتوفير نظام تسوق عن بعد يربط المنتج القروي مباشرة بالمستهلك في المدن.
تكوين كفاءات جديدة في الوساطة والتفاوض: بدلا من البيع العشوائي، يجب توجيه الشباب نحو التكوين المتخصص في مجال الوساطة والتفاوض التجاري داخل هذه الأسواق. هؤلاء الوسطاء الجدد يمكنهم تمثيل المنتجين الصغار في التفاوض على صفقات البيع بالجملة للقطاع المهيكل، مما يرفع من كفاءة السوق ويحقق التوازن الاجتماعي.
دعم الصناعة التقليدية: ربط الصناعة التقليدية في المناطق النائية مباشرة بـمنصات التصدير والتسويق الرقمي لرفع قيمتها المضافة.
ب- التمكين المالي والقانوني
يجب أن يكون القانون داعما للاستثمار والشباب:
تسريع وتوحيد القوانين: يجب تحقيق الرقمنة الشاملة للإجراءات الإدارية بهدف وحيد هو إلغاء التفاعلات البشرية المباشرة المسببة للفساد والبطء.
إشراك جانب من الشباب خصوصا بالمدن في الإنتاج: إطلاق برامج لتكوين الشباب حول أساسيات الاستثمار في الأسهم والسندات بالشركات الكبرى النشطة وطنيا، لتمكينهم من تملك حصص من رأس المال الإنتاجي الوطني وتحقيق التوازن الاجتماعي عن طريق التملك بدلا من الإعانة.
4- التحدي الاستراتيجي: التكامل المحيطي والعمق الإفريقي
إن تحقيق العدالة المجالية داخليا يرتبط بشكل وثيق بـاستراتيجية التكامل المحيطي الخارجي:
خلق سوق جهوي رافع: العمل على خلق سوق إقليمي واسع للسلع والخدمات مع العمق الإفريقي. هذا السوق سيعمل كرافعة قوية لنمو المناطق الحدودية المغربية وكذلك تكاملها مع المناطق الداخلية، التي تتحول بذلك إلى بوابات لوجستية وتجارية، مما يرفع من مردوديتها الاقتصادية ويستغل التايمينغ العالمي لإعادة تموضع سلاسل الإمداد.
تحدي العائق: التعليم والتدريب والتطبيع مع الرقمنة هو الذي يجب رفعه من أجل تحقيق تنمية مستدامة.
إن تحدي النموذج التنموي الجديد ليس في أهدافه النبيلة، بل في قدرته على صنع قرارات تنفيذية جذرية تحدد بآجال زمنية، وتكسر هيمنة الريع، وتدعم الإبتكار والرقمنة كبدائل وحيدة………..يتبع.

