بقلم سعيد ودغيري حسني
السؤال رحل ونحن ورثنا صمته كسماء بلا نجوم
صرّحوا أن السؤال اختفى
ليس لأن الطريق أصبح واضحًا
بل لأن الفضول خُنق
مات السؤال حين صار التفكير عبثًا
وحين صار الشك جريمة
وحين صار السكوت أفضل من أي نقاش
وحين صار كل صوتٍ خارج الترديد خطرًا
لم نقتل السؤال
سوى أننا اعتدنا على جثته ورفعناها فوق أكتافنا كطقس مقدس
أصبحنا نمشي حوله، نتجنبه ونهمس باسمه في صمت
كأننا نخشى أن ينهض فجأة ويطالبنا بما لم نعد نطيقه
نعيش في زمن يعبد النتيجة
ويخاف من السؤال
زمن يكافئ من يردد
ويهمّش من يسائل
زمن يقدس الإجابة القصيرة على حساب البحث الطويل
ويعامل الفضول كخطيئة صامتة
السؤال اختفى حين أصبح التعليم كلمات محفوظة
والدين شعائر بلا روح
والحب امتلاكًا بلا قلب
والفكر عرضًا بلا عمق
وصارت الكتب تُحفظ بلا أن تُقرأ
وصارت العادات تُمارس بلا فهم
غياب السؤال أخطر من أي فراغ نواجهه
فحين يختفي الفضول يبقى فراغ يُملأ بالخرافة أو الركود
لكن موت السؤال يترك صمتًا ثقيلاً
ويحوّل الإنسان إلى آلة تعمل تحب تؤمن تصوّت
دون أن تعرف سبب عملها
دون أن تسأل عن سبب قلبها
ودون أن تتذكر كيف كان يمكن أن يكون مختلفًا
نحن في جنازة السؤال في الشوارع في المدارس في البيوت في القلوب في الإيمان
نردد ما يقال لنا ونسميه وعيًا
نتظاهر بالمعرفة
نتظاهر بالحب
نتظاهر بالإيمان
وننسى أن كل تمثيل يخنق الحياة في داخلنا
نحب أن نبدو أذكياء لكننا نخاف أن نفكر
نحب أن نبدو مؤمنين لكننا نرتعب من السؤال عن المعنى
نحب أن نبدو محبين لكننا نرفض السؤال هل نحب بصدق أم من خوف الوحدة
نخاف أن نواجه أنفسنا حين نكتشف أن حبنا مؤقت
أو أن إيماننا هش
أو أن معرفتنا سطحية
نظرية موت السؤال تقول
السؤال هو الحياة
وكل مجتمع لا يعلم أفراده كيف يسألون
يحوّلهم إلى أجساد تتحرك تحب تؤمن تصوّت
دون أن تعرف سبب حركتها
دون أن تعرف لماذا تبكي أو تضحك
دون أن تعرف لماذا تختار طريقًا دون آخر
نحن لا نحتاج إلى إجابات
نحتاج إلى شجاعة السؤال
إلى أن نقول أنا لا أعرف دون خوف
إلى أن نسأل عن الله عن الحب عن الخير عن الوطن عن اللغة
لا لننكرهم بل لنستحقهم
إلى أن نبحث عن معنى الأشياء في تفاصيلها الصغيرة
في همس الريح، في وقع المطر، في ضحكة طفل
السؤال مات ونحن نعيش صمته
كظل يتردد بين جدران النفس
كنبض هادئ في الليل الطويل
كريح تحمل أصواتًا منسية
كإيمان
كحب
كوطن
كنور خافت خلف نافذة مغلقة
لكننا نعرف في أعماقنا
أن ما لا يُسأل لا يُستحق
وأن ما لا يُحلل لا يُفهم
وأن ما لا يزعج لا يغير شيئًا
وأن كل حياة بلا سؤال تصبح مجرد صدى
صدى لأصوات أخرى
صدى لحقائق لم نختبرها
وصدى لأحلام لم نجرؤ على حلمها

