كتب :أحمد أكلكيم
شهدت مدن مغربية مختلفة خلال نهاية الأسبوع الماضي حدثاً غير مسبوق في المشهد العمومي: نزول آلاف الشباب إلى الشارع للتعبير عن مطالب ذات طبيعة سوسيو-اقتصادية. هذا الحدث يطرح أكثر من سؤال حول العلاقة بين الجيل الجديد وفضاءاته التعبيرية، وحول التحولات التي يعرفها الفضاء العمومي في المغرب، باعتباره مجالاً لإعادة تعريف موازين القوة بين الدولة والمجتمع.
آنية الحدث: الشارع كمنصة للتعبير
في مشاهد لافتة، اجتمع شباب مغربي منتمٍ إلى ما يُعرف بـ”جيل Z” في مدن متفرقة، كالرباط ،الدارالبيضاء ،مكناس و غيرها رافعين شعارات اجتماعية واقتصادية تُعبر عن هموم يومية كاصلاح قطاعات منها ،التشغيل ،الصحة ، السكن، تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية. غير أن هذه التجمعات لم تمر من دون تدخل أمني، إذ واجهتها السلطات بخطة أمنية تم من خلالها تفكيك تلك الحشود، في مشهد يعكس جدلية متجددة بين السلطة والجيل الجديد حول “من يمتلك الشارع” ومن له الحق في صياغة أجندته.
من هم جيل Z في المغرب؟
جيل Z هو التسمية التي تُطلق على الفئة العمرية المولودة بين منتصف التسعينات وبداية العقد الثاني من الألفية الثالثة. في السياق المغربي، يُمثل هؤلاء أكثر من ثلث الساكنة، ويتميزون بكونهم أبناء العولمة الرقمية: وُلدوا وسط الثورة التكنولوجية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والانفتاح على أنماط عيش وثقافات عابرة للحدود.
هذا الجيل لا يرى في الأحزاب السياسية أو النقابات التقليدية فضاءً للتعبير عن ذاته، بل يجد في “المباشر” و”الفيديو القصير” و”الهاشتاغ” وسيلة لتأطير مطالبه وصياغة خطابه، وهو ما يُفسر انتقاله السريع من الفضاء الافتراضي إلى الفضاء الواقعي.
الفضاء العمومي: تعريف سوسيولوجي
يُعرَّف الفضاء العمومي في الأدبيات السوسيولوجية، خاصة مع يورغن هابرماس، كالمجال الذي يلتقي فيه الأفراد بشكل حرّ لتبادل النقاشات حول قضايا عامة، بعيداً عن سيطرة الدولة أو هيمنة السوق. في المغرب، ظل الفضاء العمومي تقليدياً موزعاً بين الشارع، المقهى، الجامعة، والمسجد، غير أن دخول شبكات التواصل أعاد تشكيل هذا الفضاء، حيث أصبح الشارع امتداداً رقمياً للاحتجاج الافتراضي.
لماذا الفضاء العام بعيداً عن المؤسسات؛ الأسرة ، الحزب ، النقابات، المجتمع المدني؟
اختيار الشارع للتعبير عن المطالب بدل المرور عبر الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات ليس صدفة، بل يعكس فقدان الثقة في هذه المؤسسات الوسيطة. فجيل Z يرى أن هذه الهياكل لم تعد قادرة على تمثيل همومه أو التفاعل مع سرعة تحوّلاته.
الفضاء العام، بالنسبة إليهم، هو المنصة الأكثر “مباشرة” و”صدقاً” لطرح قضاياهم، بعيداً عن البيروقراطية والانتظارية، حيث يصبح التواجد في الشارع لحظة اعتراف جماعي بالذات، وممارسة ضغط رمزي على الدولة، وإعادة كتابة قواعد اللعبة السياسية والاجتماعية.
ألا يمكن اعتبار ما جرى في الفضاء العمومي المغربي نهاية الأسبوع المنصرم ( 27 /28 شتنبر 2025 ) بمثابة إشارة قوية موجَّهة إلى البنيات السياسية، النقابية، والحقوقية؟ فالوضعية التي وصلت إليها هذه المؤسسات هي ما دفع بجيل Z، وهو جيل الرقمنة بامتياز، إلى النزول إلى الشارع واحتلال فضائه. لقد عبّر هذا الجيل عن بداية واضحة في الاستحواذ على المجال العام، مستعيناً بالبيئة التكنولوجية التي كبر فيها وترعرع بها، والمتمثلة في المنصات الرقمية وقنوات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها. هكذا صار المزج بين الفضاء الافتراضي والفضاء الواقعي سلاحاً مزدوجاً بيد الشباب، يفتح أمامهم مجالاً جديداً للضغط والتأثير، ويؤشر على تراجع جاذبية الوسائط التقليدية أمام قوة الرقمنة وسرعة تفاعلها.
حدث يشغل الرأي العام المغربي
الحدث لم يمر مرور الكرام، إذ احتل مساحة واسعة في النقاش العام، سواء عبر الإعلام التقليدي أو في وسائط التواصل. فقد أعاد إلى الواجهة سؤال “الشرعية التمثيلية” وسؤال “من يملك صوت الشباب”. كما طرح تحديات جديدة أمام الدولة في التعامل مع أجيال رقمية قادرة على تحويل حدث محلي إلى قضية وطنية في ظرف ساعات.
خاتمة
إن نزول جيل Z المغربي إلى الفضاء العمومي ليس مجرد حركة احتجاجية عابرة، بل مؤشر على تحول سوسيولوجي عميق في علاقة الشباب بالسياسة والمجتمع. إنه إعلان عن ولادة فاعل اجتماعي جديد يفضل الشارع على المنصة الحزبية، والهاشتاغ على البيان النقابي، والحدث المباشر على الانتظار الطويل.
إنها سابقة قد تؤسس لمرحلة جديدة من إعادة تعريف الفضاء العمومي المغربي، باعتباره مجالاً مفتوحاً للتفاوض بين الشباب والدولة، وبين الواقع و الآمال.

