من قلب تونس : سعيد ودغيري حسني
حين نشر لي موقع Le2121news.mac مشكورا
مقالاً بعنوان: “حين تحلق الطائرات المغربية محملة بالحياة نحو غزة”
وذلك يوم 5 غشت
دار بيني وبين بعض الإخوة نقاش صادق
فقالوا: ليست هذه المرة الأولى
وأن المغرب لا يفعل شيئاً للمنّ أو الاستعراض
بل يمضي بهدوء، يعمل بصمت، بلا ضجيج إعلامي
فقلت: نعم
ولذلك وجب التوسيع.. والإضاءة
حتى لا ننسى أن التاريخ لا يُكتب فقط في بيانات الوزارات
بل في قلوب الناس
وفي مسارات الطائرات التي لا تحمل سلاحاً بل خبزاً
وفي مواقف الملوك التي لا تُقاس بعدد الشعارات
بل بثقل الصمت حين يكون أبلغ من الكلام
من فاس إلى القدس.. خيط روحي لا ينقطع
المغرب وفلسطين.. ليست مجرد مسافة على الخارطة
بل علاقة روحية موغلة في الزمن
منذ أن كانت فاس منارة للعلم والفقه
وكان العلماء المغاربة يحجون إلى القدس قبل مكة أحيانًا
ويستقرون في حيّ لا زال يُسمى حتى الآن “حي المغاربة”
قرب المسجد الأقصى
ذلك الحي الذي مسحته الجرافات الإسرائيلية
لكن ذاكرته باقية في قلوبنا
ومنذ قرون
والمغرب يقف مع فلسطين لا عبر الإعلام فقط
بل بالفعل، بالدعاء، بالدبلوماسية، بالإغاثة، وبالحضور الصادق في القضايا الكبرى
لجنة القدس.. حين يتكلم المغرب من موقع المسؤولية
رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس
ليست مجاملة عربية
ولا مقعد شرفي
بل التزام يومي
وعمل دقيق
تقوم به وكالة بيت مال القدس الشريف
التي لا تصدر بيانات
بل تبني مدارس في القدس
وتكفل أيتامًا
وتعالج جرحى
وتُسدد فواتير ماء وكهرباء لمقدسيين
كل ذلك من دون أن يظهر في عناوين الصحف
المغرب يفهم أن الدفاع عن القدس لا يكون بالصوت المرتفع فقط
بل بالفعل اليومي الهادئ
الذي يصون الكرامة
ويحفظ الأرض
ويزرع الأمل في أحياء القدس العتيقة
عن اتفاقيات إبراهيم.. لا تلغوا وعينا
صحيح أن المغرب وقّع اتفاقيات تطبيع
وصحيح أن الرحلات تُسيَّر
وأن البعثات تتبادل
لكن هذا لا يعني أن القضية الفلسطينية سقطت من الوجدان المغربي
اتفاقية إبراهيم
ليست خيانة
ولا حبًا في الآخر
بل محاولة لحماية الممكن من المستحيل
لم تُوقع لأنها نهاية حب
بل لأنها امتداد لحكمة
المغرب يعرف أن في السياسة توازن
وأن في الجغرافيا حسابات
لكن في القلب لا مفاوضات
لهذا
حين تعالت الطبول في أماكن أخرى
وحُوصرت الأصوات
وسُجنت الشعارات
كان الشارع المغربي لا يزال يخرج
بالآلاف.. أحيانًا بالملايين
يصرخ باسم غزة
ويحمل صور الطفل الشهيد
ويكتب على الجدران: “الحرية لفلسطين”
من قال إن المغاربة نسوا؟
في كل بيت مغربي
قضية فلسطين تُورَّث كما تُورَّث الحكايات
الجد يحكي عن النكبة
والأب عن الانتفاضة
والأم تبكي على غزة
والطفل يرسم علم فلسطين في دفاتره
حتى الذين لم يذهبوا إلى هناك
يشعرون أن فلسطين داخلة في جيناتهم
لا رقابة تمنعهم
ولا سياسة تُرهِبهم
ولا وزارة تستدعيهم
لأن المغرب يفهم أن قضيته مع فلسطين
ليست موقف نظام فقط
بل إيمان شعب
اليهود المغاربة.. الذاكرة التي لم تُغادر
ثمّة بعد آخر
لا يجب أن ننساه
وهو أن لليهود المغاربة جذور في هذا البلد
أنهم عاشوا قرونًا في أحضان فاس، ومراكش، وصفرو، والرباط
وأنهم، وإن هاجروا، لم يُسقِطوا المغرب من قلوبهم
وهذا ما يُميز المغرب عن غيره
فهو لا يختصر هويته في دين
بل في تنوع أصيل
لا يمنعه من دعم فلسطين
ولا يمنعه من التواصل مع من غادر من بنيه
المعادلة المغربية ليست ازدواجية
بل اتساع
وليست تذبذبًا
بل نُضج
حين تحلق الطائرات.. يتكلم الصمت
الحدث الأخير
حين حلّقت طائرات مغربية عسكرية نحو غزة
حاملةً 180 طناً من الحياة
كان المشهد أكبر من مجرد مساعدات
كان ردًا عمليًا على من يسأل: “أين أنتم؟”
الطائرات حلّقت بلا بيان صارخ
ولا مؤتمر صحافي
ولا تغطية مفرطة
لأن المغرب يعتبر أن النصرة لا تحتاج إلى ضجيج
بل إلى نية صافية
ومسار واضح
وعمل صامت
يحمل في قلبه أن لا شيء أغلى من حياة طفل في غزة
خلاصة لا تُقال بل تُشعر
المغرب لا يُحرج نفسه أمام الضمير
لأنه لم يُخلف وعده
ولا نسي واجبه
ولا تخلّى عن أشقائه
وفي زمن الاصطفافات الحادة
اختار أن يكون صوتًا متزنًا
لا يزايد
ولا ينسحب
لذلك، حين ترى الطائرة تحلق
فلا تسأل عن النوايا
ولا تبحث عن ضوء الكاميرا
فما يُكتب في السماء
يصل إلى الأرض دون حاجة إلى تعليق

