حضرت يوم أمس الجمعة بمقر المدرسة العليا للفنون البصرية، افتتاح مهرجان “السينما والذاكرة”، الذي تنظمه جمعية “السينما والتاريخ” في دورته الأولى بمدينة مراكش، ويقف وراء هذه المبادرة الجميلة الزميل مصطفي غلمان مدير موقع كش بريس.
أول مرة أزور هذه المدرسة وأول مرة أعرف أن المهندسة السويسرية صاحبة مشروع “دار بلارج” هي التي كانت وراء إنشاء هذه المؤسسة بعد أن قرأت نصا قصيرا في اللوحة النحاسية بمدخل المدرسة العليا للفنون البصرية ( ESAV )، الكائنة بحي الداوديات وهي قريبة من جامعة القاضي عياض.يقول النص:
“تخيلت سوزانا بيدرمان” دار بلارج” فابتكرتها ومنحتها الحياة في أفق دعم “الثقافة الحية”بالمغرب وقامت بفعل عملي بمراكش حيث أشرفت على ترميم “دار بلارج” بالمدينة العتيقة وطورت جملة من الأنشطة تثمن التراث الفني والحرفي الذي ظل حيا في المغرب، بكيفية دائمة وعملت على تحسيس أهل مراكش بغنى هذا الموروث الثقافي.
كانت تؤمن وباعتقاد راسخ بأهمية الدور الفعال للفنانين بالارتقاء بالمجتمع، وفي سبيل منحهم موقعا مركزيا داخل المجتمع المغربي القادم، ابتكرت هذه المؤسسة “المدرسة العليا للفنون البصرية” بمراكش التي كانت تؤتر -رحمها الله- أن تكون تسميتها ب “مدرسة الإبصار والرؤيا” وذلك لمواكبة تغيرات هذا البلد الأمين”
من هي سوزانا بيدرمان ( 1943 -2007 )، مهندسة الديكور والفنانة التشكيلية السويسرية التي أرشدها الراحل دفين مراكش خوان غويتيسولو بالقدوم إلى مراكش؟.. وصلت سوزانا رفقة زوجها ماكس إليوت، إلى المدينة في يوم من أيام الربيع، كان ذلك في بداية سنوات التسعينيات من القرن الماضي. المهمة التي جاءت من أجلها، لم تكن سهلة، وهي إعادة الألق لمؤسسة “دار بلارج”. و استطاعت هذه المهندسة السويسرية، أن تحيي هذه الدار من جديد، بعدما كانت أثرا يكاد يختفي من العمران وكذلك من الأذهان، اقتنت الدار التي كانت خرابا في 1998، وأعادت ترميمها بما ادخرت وبدون دعم، وصفها أصدقاؤها ومحبيها ب مجنونة مراكش، لم تكن امرأة عادية، حيث قامت بأمر غير عادي، في مدينة غير عادية مغمورة بالثقافة والألوان وفنون الفرجة و القول والحكي..
ارتبطت سوزانا بحلمها في خلق مؤسسة ثقافية فريدة، ومنه انطلقت في دروب المدينة حيث أعادت مجدا ضائعا، في دار بلارج، الدار التي جعلت منها قبلة للسياحة الثقافية.في البداية عند قدومها إلى مراكش فكرت سوزانا في إنشاء دار للأيتام، ولما التقت سفير ألمانيا الأسبق في المغرب الذي استقر بدوره بعد تقاعده بمراكش، اقترح عليها التفكير في الاستثمار في الفن والثقافة، بعد أن أقنعها بأن هناك عطشا فنيا وثقافيا بالمدينة. وبعد أن أرشدها الأديب الإسباني غويتسولو المعروف ب “ولد جامع لفنا” إلى “دار بلارج”، ستقتني سوزان البناية، قبل أن تقوم بترميمها وإصلاحها.
ولمن لا يعرف تاريخ “دار بلارج” فهي معلمة تاريخية كانت في القرن السادس عشر دارا لعلاج اللقالق التي كانت تسقط في أحياء مدينة مراكش مريضة أو جائعة أو مكسورة الأرجل أو الجناح بعد هجرتها السنوية إيابا وذهابا بين أوروبا ومراكش. هذه الدار كانت المشفى الوحيد من هذا الصنف في شمال إفريقيا وربما في العالم، وقد عمد الأمير مولاي عبد السلام ( سميت باسمه حديقة مولاي عبد السلام الكبيرة القريبة من جامع لفنا ) نجل السلطان محمد بن عبد الله وكان رجلا فقيها يهوى الموسيقى والشعر، إلى جعل هذه الدار موقوفة للعناية باللقالق المعتلة وتوفير الغداء و العلاج لها ، وإن كانت كتب التاريخ والسير لم تشر لا من قريب أو بعيد إلى السر وراء عشق هذا الأمير لطائر اللقلاق، لكن مبادرته بقيت سجلا للفخر في سابقة أولى في تاريخ البلاد .
وجدت سوزانا بيدرمان في مراكش أعرق الأسواق التقليدية في شمال أفريقيا التي وصفتها ببورصة يومية نشيطة لا تختلف في حيويتها عن أسواق دمشق وبغداد والقاهرة. ويشكل سوق (السمارين) المعبر الرئيسي للسياح ليتبضعوا التذكارات النادرة ومختلف تحف الصناعة التقليدية المغربية الزاخرة بتشكيلاتها الفنية، التي لا حصر لإبداعاتها الحرفية، مصنوعة من خامات خشب العرعار. ومختلف المعادن والأنسجة فهذه الأسواق أشبه بمعرض حافل بالبازارات والبهارات وكل شيء أصيل، تفوق بكنوزها مغارة (علي بابا) الافتراضية، وهي مفتوحة دوما لعرض كافة المنتوجات التقليدية من كل تخوم المغرب.
حملت سوزانا كل أمانيها وأحلامها الكبيرة والصغيرة، وطافت دروب الحمراء، وزارت كل أثر مهما صغر ، فتملكها رجال مراكش السبعة، زارتهم واحدا واحدا في أضرحتهم ، القاضي عياض، والإمام الجزولي والإمام السهيلي، وسيدي يوسف بن علي، وسيدي عبدالعزيز التباع، وسيدي عبدالله الغزواني، وأبوالعباس السبتي. لم تعد السويسرية المهندسة غريبة عن مدينة الحمراء الكل يعرفها بعدما سخرت كل أموالها لكي لا ترحل اللقالق عن المدينة…
تتكون “دار بلارج”، التي تعهدتها سوزانا بيدرمان بالعناية والإشراف من بهو مساحته 200 متر مربع محاط بأربع قاعات كبيرة، ثلاث منها تستعمل كقاعات للعروض.أما الرابعة فمخصصة لاحتساء الشاي وللاستراحة واللقاءات. كما تحتوي على قبو كبير تم اكتشافه عند ترميم الدار، يتكون من قاعتين تقام فيهما الورشات الفنية والموسيقية المفتوحة في وجه الأطفال وشباب أحياء المدينة. وهي ورشات مجانية وفضاءات لتلقين الممارسات الفنية التقليدية المحلية. نظمت الدار، على مدى السنوات الماضية، لقاءات ثقافية وأمسيات حكي وعروضا مسرحية وحفلات، و يجري اختيار المناسبات والأعياد الدينية، مثل شهر رمضان، موعدا لها.
وفي تأبين المرأة التي أحبت مراكش حتى النخاع، وانتصرت للثقافة والفن المغربي ، قالت مها المادي، المكلفة بإدارة دار بلارج على إثر وفاة سوزان في 2007 ، بكثير من الأسف والدموع، إن مسؤولي المدينة الحمراء لم يلتفتوا إلى العمل الذي كانت تقوم به الراحلة سوزانا بيدرمان، إلا بعد فوات الأوان. وحين لم تسعفها دموعها، خاطبت غويتسولو،الذي كان حاضرا على الدوام إلى جانب سوزانا،قائلة: “أظن أن سوزان تحولت إلى لقلاق، و”دار بلارج” هي عش مفتوح أمام كل مثقف لبسته حكاية اللقالق، رمز الحرية والرغبة في معرفة العالم”…ورغم رحيلها المبكر عن سن 64 سنة مانفكت سوزانا تقول لمحبيها:
Je veux que ce que je donne soit transmis. Il faut avoir des rêves qu’il faut savoir” défendre».

