كتب : عبد الكريم مومن
عندما ربيت النحل، لم أكن أتعلم فقط كيف أنتج العسل، بل كنت أتعلم درسا عميقا عن الحياة، والعمل، والعطاء، ودور الإنسان داخل المجتمع.
في عالم النحل، لا يوجد فرد يعيش لنفسه فقط، فالخلية تقوم على التكامل. النحلة العاملة تقضي حياتها في خدمة الجماعة، منها من ترعى الصغار، ومنها من تجمع الرحيق، ومنها من تحرس الخلية. لكل واحدة وظيفة، ولكل مرحلة دور.
وفي الشتاء، عندما تصبح الظروف أصعب، يطول عمر النحلة وتتحول مهمتها إلى الحفاظ على دفء الخلية، فتقوم برفرفة أجنحتها لتوفير الحرارة. وكأن الطبيعة تعلمنا أن الإنسان قد يغير دوره مع تغير الظروف، لكن قيمة عطائه تبقى مستمرة.
حتى الملكة تعطينا درسا خاصا، فهي تخرج مرة واحدة للتلقيح، ثم تكرس حياتها لإنتاج الأجيال واستمرار الخلية. عظمتها ليست في موقعها، بل في مسؤوليتها وعطائها.
أما الذكور، فلها دور محدد في دورة الحياة، وبعد انتهاء مهمتها لا تستمر عندما تصبح عبئا على موارد الخلية. وهنا نتعلم أن الطبيعة تقوم على التوازن، فلكل دور بداية ونهاية، ولكل مرحلة حكمة.
ومن هنا فهمت أن الإنسان لم يُخلق ليبقى مرتبطا بمنصب واحد أو وظيفة واحدة طوال حياته. فالمنصب مرحلة، لكنه ليس هوية الإنسان.
فالعسكري يخدم وطنه في مرحلة من حياته، لكنه بعد انتهاء مهمته يبقى صاحب خبرة وتجربة يمكن أن ينقلها للأجيال.
والمعلم أو الموظف أو المسؤول لا تنتهي رسالته بمجرد ترك مكتبه، لأن أثره الحقيقي يبقى في الأشخاص الذين أثر فيهم.
والمقاول لا يقاس فقط بالمشاريع التي بناها، بل بفرص العمل التي خلقها، وبالناس الذين ساعدهم على بناء مستقبلهم.
والمستثمر لا يضيف للمجتمع فقط بالمال، بل عندما يوجه رأس ماله إلى مشاريع تنتج، وتشغل، وتطور الاقتصاد.
والفلاح، والحرفي، والطبيب، والمهندس، وكل صاحب مهنة، لهم دور في استمرار دورة الحياة، كما لكل نحلة دور في استمرار الخلية.
المشكلة تبدأ عندما يعتقد الإنسان أن قيمته مرتبطة فقط بالكرسي الذي يجلس عليه أو اللقب الذي يحمله. فالكرسي مؤقت، أما الأثر فهو الذي يبقى.
لقد خلقنا الله خلفاء في الأرض، وليس خلفاء لمنصب معين. أعطانا القدرة على العطاء في مراحل مختلفة من العمر، وفي مجالات متعددة.
قد تنتهي وظيفة، وقد يتغير موقع، وقد يغادر الإنسان مسؤولية، لكن باب العطاء لا يغلق ما دام الإنسان قادرا على أن يقدم علما أو خبرة أو عملا أو فكرة نافعة.
فالحياة ليست سباقا نحو البقاء في موقع واحد، بل رحلة من الأدوار المتتابعة.
وكما تستمر الخلية بتعاون أفرادها رغم تغير الأجيال، يستمر المجتمع بعطاء أفراده عندما يفهمون أن الدور قد يتغير، لكن الرسالة تبقى.
في النهاية، لا يسأل الإنسان الحكيم: كم سنة بقيت في منصبي؟
بل يسأل: كم أثرت بالمجتمع سواء بالمال أو الجهد العضلي والعقلي، فكل شيء لله وهو من إختص كل فرد منا بدور بالحياة، لذلك الله لايركز هل نجح الإنسان أم فشل، بل يجازيه على النية، هل نوى ذلك الإنسان أن يعين مجتمعه الذي ينتمي له؟ ولا تقاس بكم أعطى، بل حتى كلمة طيبة أو إبتسامة في وجه إنسان آخر قد تكون أقوى طاقة.

