بقلم سعيد ودغيري حسني
أراه كلما مررت بالحديقة
يجلس كأنه لا يجلس
بل ينتظر شيئًا ما تأخّر
أو يتأمل شيئًا ما انكسر
بجلبابه الأبيض الناصع كالذكريات النقية
وبيده عصا لا يتكئ عليها بل يمسكها كما يُمسك قلم شاعر نسي ما كان يريد أن يكتبه
إلى جانبه جهاز راديو قديم
متّسخٌ من كثرة الحب
جهاز لا يشتغل إلا على ذبذبات الحنين
يسمونه هنا راديو 6
لكنّه يسمّيه رفيقي
ويتحدث عنه كما لو أنه كائن حي
ينام ويستيقظ ويغضب ويحنّ
أحيانًا يربت عليه بأصابعه وكأنه يواسيه
وأحيانًا يقرّبه من صدره كأنّه طفل يخشى عليه من البرد
حين تجلس إليه تشعر أنك خرجت من الحاضر
كأنك خرجت من هذا العالم كله
وجلست على رصيف زمني لا تدخله السيارات ولا الهواتف الذكية
ولا أخبار العاجل ولا وجوه الإنفلونسرات
هو لا يتكلم كثيرًا
لكنه إذا تكلّم
أطلق من فمه كتبًا لا تُقرأ
بل تُشمّ كالعطر
ويبدأ حديثه دائمًا بعبارة
“كنت هناك”
ثم يصمت قليلًا
ويأخذك إلى مكان لم تكن فيه
ويجعلك ترى ما لم ترَ
وتحسّ ما لم تحسّ
كأنه مرآة صافية تعكس صور العالم القديم دون شوائب
كأنه منديل من حرير
امتصّ دموع الحروب وضحكات المسرح ورهبة اللقاء الأول في إذاعة
هو عاشق أم كلثوم لا لأنها غنّت
بل لأنها كانت الوطن حين تاهت الأوطان
يموت في صوتها كما يموت العاشق في اللمسة الأولى
ويحفظ كل وقفة في أغانيها
كل تنهيدة
كل تكرار
كأنّه يحفظ خريطة الحنين
يتكلم عن عبد الوهاب كما يتكلم الدراويش عن شيخهم
يغمض عينيه حين يقول اسمه
ويرفع يده إلى السماء وكأنه يقرأ دعاء لحنٍ لم يكتمل بعد
يحكي لك عن مساءات إذاعة القاهرة
عن أصوات المذيعين الذين كانت أصواتهم تنزل على القلب كالندى
يحكي عن الراديو حين كان هو العالم
لا نافذة عليه
بل العالم كله
يحكي عن الزمن الذي كانت فيه الأغنية مشروع حياة
لا مشروع شهرة
عن زمن إذا قيل فيه “يا قلبي”
أصغت القلوب
وإذا قيل فيه “يا حبيبي”
استقامت الطرقات للهوى
هو لا يهاجم الحاضر
لكن عينيه تدمع إذا سمع أغنية مكسّرة الحروف
إذا رأى من يرقص على أنقاض معنى
إذا شاهد من يُضحك الناس كي ينسوا لا كي يفهموا
إذا مرّ بقناة لا تشبهه
ولا تشبه البلد
ولا تشبه حتى البسطاء الذين لا يملكون إلا الراديو
في الحديقة ذاتها
في نفس الوقت تقريبًا
يجلس كما لو أنه حارس الزمن
لا يطلب شيئًا
لا يبيع شيئًا
لا يشكو من شيء
بل يحفظ أشياء لا تُشترى ولا تُباع ولا تُنسى
يحفظ صوت شادية حين غنّت للحب الحزين
وصوت فريد حين قال “رجعت ليك” كأنّ الكون كلّه عاد
يحفظ ضحكة ليلى مراد وهي تمشي على طريق الطرب
ويحفظ صمت أمين الهنيدي قبل الانفجار الكوميدي العميق
يتكلم عن الحب كما لو أنه عملة أُلغيت من الأسواق
ويتكلم عن الصدق كما لو أنه مهنة اختفت
وحين تسأله عن اسمه يجيبك باسمين
اسمه الأول زمن
واسمه الثاني لا يهم
لأنه لا يريد أن يُعرف كفرد
بل يُذكر كحالة
كرمز
كصوت باقٍ في ذاكرة من لم يسمعه
هو ليس رجلًا عاديًا
هو بورتريه إنساني يمشي على الأرض
هو مونولوج مفتوح في قلب مدينة لم تعد تسمع
هو رجل مرّ من تحت قنطرة الزمن
ولم تسقط عليه الحجارة
بل سقطت عليه الأشواق
عند كل غروب
ينهض ببطء
يحمل الراديو كما يُحمل المصلّى
يمشي إلى بيته دون أن ينظر خلفه
كأنه يقول للعصر
“لن أطيل البقاء
لكنني كنت هنا”
هذا الرجل
ليس مجرد عابر
بل فكرة
بل ممرّ
بل شرفة مفتوحة على الذاكرة
لهذا
أكتب عنه الآن
وأشتغل على حكايته كسيناريو
سيرى النور قريبًا إن شاء الله

