نيويورك / عبد الكيم المومني
تفاحة تعكس مقولة: الوقت المناسب والشخص المناسب
في عالم تحكمه الصدف ويعيد تشكيله الخيال، تفاحة تتدلى بثبات فوق أربعة أشخاص مختلفين، لا تعلم أيهم سيكون ضحيتها، لكن ما أن ينقطع عنقها وتبدأ رحلتها نحو الأرض، حتى تنطلق معها أربعة سيناريوهات مختلفة، أربعة مصائر متشابكة، كل منها يروي قصة سقوطٍ، لكن بتفسير مختلف.
- الشاعر: سقوط القصيدة من الغصن
عندما لامست التفاحة رأس الشاعر، لم يشعر بالألم، بل بالدهشة. رفعها بلطف، مسح عنها غبار السقوط، وحدّق بها كأنها رسالة من السماء. تنهد بحرقة وقال:
أهكذا يفترق العشاق؟ أيتها التفاحة، ألم يحنّ عليك الغصن؟ أم أنك اشتقتِ للأرض؟
وفي لحظة وجدانية، أخرج ورقته وريشته، وبدأ يسكب الكلمات كأنها عصيرها، يحول سقوطها من مجرد حادثة إلى قصيدة يرويها العشاق مع أنفاس المساء. - الجائع: سقوط الرحمة على معدة فارغة
أما الرجل الجائع، فلم تكن التفاحة بالنسبة له أكثر من فرصة ذهبية جاءت في وقتها. حين ضربته على رأسه، لم يفكر في فلسفة الحياة، بل في طعمها. أمسك بها بلهفة، تفحصها بسرعة، ثم قال:
الحمد لله! طعام لا يحتاج إلى طبخ ولا نقود
وبلا أدنى تردد، قضَم منها بشراهة، ولم يلتفت لأي أسئلة حول لماذا سقطت أو من أين جاءت. كل ما كان يهمه أنها أصبحت الآن في جوفه، نهاية سعيدة من وجهة نظره. - المجرم: سقوط الجحيم من السماء
لكن حين لامست التفاحة رأس المجرم، لم ير فيها قصيدة، ولم يشعر بفرحة الطعام، بل رآها تهديدًا، رآها مؤامرة! استدار بعينين متوقدتين، ممسكًا بها كأنها سلاح، وهتف غاضبًا:
من الذي تجرأ؟ من يحاول العبث معي؟!
وقبل أن يفسر أحد الموقف، ألقى بها بكل قوته، فأصابت عربة محملة بالبارود كانت تمر في السوق، ليُسمع بعدها دوي انفجار هائل يهز المكان، وتتحول القرية إلى ساحة حرب. التفاحة لم تكشف سر الجاذبية هنا، بل أطلقت قانون الدمار. - نيوتن: سقوط العقل على الحقيقة
وأخيرًا، حين كان الدور على نيوتن، سقطت التفاحة بهدوء، واستقرت على رأسه كما لو كانت توقظ ذهنه من غفوة عميقة. لم ينفعل، لم يأكلها، ولم يردها على مصدرها، بل بقي ينظر إليها في شرود، وكأن الكون كله ألقى عليه سؤالًا محيرًا. لماذا سقطت؟ لماذا لم تصعد؟ لماذا لم تنحرف؟
تلك اللحظة، تلك الشرارة، كانت بداية لقانون غير مجرى العلم، وبدلًا من أن يدمر نيوتن قرية، أو يكتب قصيدة، أو يسد جوعه، فقد كتب أعظم نظريات الفيزياء، وأثبت أن سقوط الأشياء ليس مجرد صدفة، بل هو سر من أسرار الكون.
خاتمة: تفاحة واحدة، أربعة أكوان
تفاحة وحيدة، لكنها أسقطت أربعة عوالم متوازية: عالم الشعر، وعالم الغريزة، وعالم الفوضى، وعالم المنطق. كل سقوط كان بداية لحكاية مختلفة، لأن الأشياء لا تحمل معنى واحدًا، بل نحن من نمنحها المعاني التي تناسب عقولنا.

