كتب / أحمد أكلكيم
في ذاكرة استوديوهات عين الشق … المرحوم عبد الرحمان بن الطالب… قيادة تقنية بروح جماعية
يندرج هذا البورتري ضمن سلسلة ذاكرة استوديوهات المحطة الجهوية للتلفزة المغربية بعين الشق، وهي سلسلة تسعى إلى استحضار الذاكرة المهنية لمجموعة من الأطر التي ساهمت في بناء التجربة التلفزيونية المغربية، من خلال مقاربة سوسيو-إعلامية تجعل من السيرة المهنية مدخلاً لفهم دينامية العمل داخل المؤسسة الإعلامية.
في هذا السياق، يأتي بورتري مهندس الدولة المرحوم عبد الرحمان بن الطالب بوصفه نموذجاً مهنياً يجسد تلاقي الكفاءة التقنية مع روح القيادة الجماعية.
فقد اضطلع الراحل بمسؤولية الإشراف على الوحدة (3) المتنقلة (Car-Régie) التابعة لاستوديوهات عين الشق، وهي فضاء تقني مركزي في عملية الإنتاج التلفزيوني داخل و خارج الاستوديو، حيث تتقاطع مهام الصورة والصوت والإنارة والإخراج في منظومة واحدة تتطلب دقة عالية في التنسيق.
من خلال هذا المعطى التقني، يتخذ البورتري بعداسوسيو-مهنيا يسلط الضوء على أسلوب القيادة الهادئة والمتزنة الذي كان يميز المرحوم عبد الرحمان بن الطالب، وهو يقود فريقا من خيرة مهنيي التلفزيون. فقد كان يشرف على عمل جماعي يضم مصورين وتقنيي صوت ومراقبي صورة وتقنيي إنارة، من بينهم: ناصر الشوري، محمد الولاد، مصطفى النفكة، عبد المجيد فايز، محمد ضريف، طه، سعيد لمريس، بوشعيب الهيبة، عبد العزيز، بوشعيب العباسي، وعمر بالقائد،المختار الزعيم ،باهي البغدادي و اخرون لم يتسنى لي ذكر اسمائهم ، منهم من قضى و من ينتظر….
ويكشف هذا التشكيل المهني المتعدد الاختصاصات عن طبيعة العمل التلفزيوني باعتباره عملا جماعيا مركبا لا يقوم على المهارة الفردية فقط، بل على قدرة القيادة التقنية على خلق الانسجام بين مختلف التخصصات.
وتزداد دلالة هذا البورتري عمقا عندما نستحضر حجم المهام التي أنجزتها الوحدة المتنقلة (Car-Régie) تحت قيادة المرحوم عبد الرحمان بن الطالب. فمنذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، تحولت هذه الوحدة إلى ورشة عمل تلفزيونية متنقلة جابت مختلف المدن المغربية. فقد أشرف الفريق على تسجيل عدد كبير من البرامج داخل الاستوديو وخارجه، كما قام بتسجيل العديد من من السهرات أو حتى نقلها مباشرة من مسارح و فضاءات خارجية في مدن مغربية متعددة، إضافة إلى النقل المباشر لعدد من مباريات كرة القدم ضمن البطولة الوطنية.
هذه التجربة المهنية تكشف في العمق عن ممارسة ميدانية لما يشبه تطبيقا عمليا لمفهوم “دينامية الفريق” (La dynamique du groupe)، وهي نظرية في علم الاجتماع والتنظيم تؤكد أن فعالية العمل الجماعي لا تتحقق فقط بتجميع الكفاءات، بل عبر بناء علاقات تفاعل وثقة وانسجام بين أفراد الفريق، بحيث يصبح الأداء الجماعي أكبر من مجموع الجهود الفردية.
ومن خصوصيات هذه النظرية أن القيادة داخل الفريق لا تقوم على السلطة التقنية وحدها، بل على القدرة على خلق التوازن بين التخصصات المختلفة، وتحفيز روح التعاون، وتوجيه الطاقات الفردية نحو هدف مهني مشترك.
ومن خلال هذا المنظور، يتضح أن الحكمة والرصانة و الكفاءة المهنية التي كان يتحلى بها المرحوم عبد الرحمان بن الطالب لم تكن مجرد خصال شخصية، بل كانت عنصرا حاسما في تحويل فريق الوحدة المتنقلة إلى نموذج منسجم في العمل التلفزيوني الميداني، حيث وجدت الخبرة التقنية والقيادة الهادئة مكانهما الطبيعي في خدمة صورة تلفزيونية مغربية صنعتها جهود جماعية متكاملة
ومن هنا، فإن القيمة التقويمية لهذا البورتري لا تكمن فقط في استعادة سيرة مهندس تلفزيوني، رئيس وحدة متنقلة،بل في إبراز نموذج مهني داخل الذاكرة المؤسسية لاستوديوهات عين الشق؛ نموذج يقوم على الحكمة في التدبير، والرصانة في اتخاذ القرار، والقدرة على توحيد فريق متنوع حول هدف واحد هو إنجاح العمل التلفزيوني.
بهذا المعنى، يتحول المرحوم عبد الرحمان بن الطالب داخل هذا البورتري إلى رمز لذاكرة مهنية جماعية، حيث تتقاطع تجربته مع تجربة جيل كامل من التقنيين الذين أسهموا ببصمتهم اليومية في صناعة الصورة التلفزيونية المغربية، في زمن كانت فيه الوحدة المتنقلة فضاءً حقيقياً لامتحان الكفاءة التقنية وروح الفريق.
وختاماً، وإذ نستحضر في هذا البورتري ملامح مهندس الدولة عبد الرحمان بن الطالب، لا بوصفه مجرد إطار تقني داخل استوديوهات عين الشق، بل باعتباره أحد رجالات الذاكرة المهنية للتلفزة المغربية، فإن استعادة سيرته تظل أيضاً لحظة وفاء لجيل من التقنيين الذين اشتغلوا في صمت، وجعلوا من روح الفريق ومن الإتقان المهني قاعدة لنجاح العمل التلفزيوني.
رحم الله عبد الرحمان بن الطالب، وجعل ذكراه الطيبة باقية في ذاكرة استوديوهات عين الشق وفي قلوب كل من عرفه و اشتغل معه

