كتب / أحمد أكلكيم
قراءة سوسيو-إعلامية في مفارقة هدر الغذاء على المائدة المغربية
أثار انتباهي اللقاء التواصلي الذي نظمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حيث دعا رئيسه السيد عبد القادر أعمارة إلى اعتماد مخطط عمل مستهدف للحد من ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية في المغرب. وقد جاء اختيار المجلس لهذا الموضوع، كما أوضح رئيسه، بالنظر إلى ما تكتسيه هذه الظاهرة من أهمية اقتصادية واجتماعية وبيئية متزايدة، وما تطرحه من تحديات تتعلق بنماذج الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الغذائي، بما يضمن الاستعمال الأمثل للموارد ويعزز استدامتها.
وتشير المعطيات التي عرضها المجلس إلى أن الهدر الغذائي لا يقتصر على مرحلة بعينها، بل يمس مختلف حلقات سلسلة القيمة الغذائية. فبعض السلاسل الفلاحية، خصوصاً الفواكه والخضر والحبوب، تسجل نسب ضياع تتراوح بين 20 و40 في المائة خلال مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والنقل. وهي أرقام كفيلة وحدها بإثارة نقاش وطني واسع حول سبل تدبير الغذاء بشكل أكثر عقلانية.
غير أن هذا النقاش يفتح، في المقابل، سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا لو تم التوقف أيضاً عند ظاهرة موسمية تتكرر كل سنة خلال شهر رمضان؟ ففي هذا الشهر، الذي يفترض أن يكون مدرسة للزهد والاعتدال، تتحول بعض أنماط الاستهلاك لدى عدد من الأسر المغربية إلى مفارقة اجتماعية صارخة، حيث يتزايد الإقبال على اقتناء المواد الغذائية بشكل يفوق بكثير الحاجيات الفعلية.
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في سلوكيات التسوق خلال رمضان. فالإقبال المكثف على شراء الخضر والفواكه واللحوم والمعجنات والحلويات يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الحاجة، ليصبح الهدف الضمني هو تزيين المائدة الرمضانية وتكثير أصنافها. وفي نهاية المطاف، ينتهي جزء مهم من هذه الأطعمة في سلة المهملات. ولا تقف آثار هذه الظاهرة عند حدود هدر الطعام فقط، بل تمتد لتؤثر في التوازنات الاقتصادية للسوق. فالطلب المفرط يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية لعدد واسع من الأسر، خاصة تلك ذات الدخل المحدود. وهكذا تتحول المائدة الرمضانية، التي يفترض أن تكون رمزاً للتكافل والتقاسم، إلى عامل إضافي من عوامل الضغط الاقتصادي.
من منظور سوسيو-إعلامي، يمكن قراءة هذا السلوك الاستهلاكي باعتباره نتيجة لتحولات ثقافية عميقة في نمط العيش. فقد أصبحت المائدة الرمضانية، في كثير من البيوت، مجالاً لإظهار الوفرة والكرم الاجتماعي، وأحياناً فضاءً للمقارنة غير المعلنة بين الأسر. كما تلعب وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي دوراً في تكريس هذا النموذج الاستهلاكي، عبر الترويج لصور موائد عامرة بعشرات الأطباق، ما يخلق نوعاً من الضغط الرمزي الذي يدفع كثيراً من الأسر إلى تقليد هذه النماذج، ولو على حساب توازنها المالي. غير أن هذا السلوك يتناقض، في العمق، مع فلسفة الصيام في الإسلام.
فالصيام لم يُشرع لزيادة الاستهلاك أو لإغراق الموائد بالأطعمة، بل لتحقيق مقاصد روحية وأخلاقية قوامها تهذيب النفس وترسيخ قيمة الاعتدال. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالغاية الأساسية من الصيام هي بلوغ التقوى، أي الارتقاء بالسلوك الفردي نحو الانضباط والوعي الأخلاقي. كما ينهى القرآن الكريم صراحة عن الإسراف في الاستهلاك، حيث يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وهو توجيه قرآني واضح يؤسس لثقافة الاعتدال في الطعام والشراب. ويعزز هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه؛ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، في اختزال بليغ لفلسفة التوازن الغذائي في الإسلام.
إن ظاهرة الإسراف في رمضان تكشف، في نهاية المطاف، عن فجوة بين الخطاب الديني والممارسة الاجتماعية. فالمغاربة الذين يحتفون بالشهر الفضيل باعتباره موسماً للعبادة والتكافل، يجدون أنفسهم أحياناً منخرطين، دون وعي، في منطق استهلاكي يتناقض مع روح الصيام. ولهذا، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على التدخلات الاقتصادية أو التنظيمية فحسب، بل تتطلب أيضاً جهداً ثقافياً وإعلامياً لإعادة بناء الوعي الاستهلاكي.
فالمائدة الرمضانية في جوهرها ليست فضاءً للمباهاة، بل لحظة رمزية لتقاسم الطعام وشكر النعمة واستحضار معاناة الفقراء. وعندما يستعيد المجتمع هذا المعنى العميق للصيام، يصبح رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا بالاستهلاك وترسيخ ثقافة الاعتدال، بدل أن يتحول إلى موسم تتفاقم فيه مفارقة الإسراف في شهر يفترض أن يكون مدرسة للقناعة.

