في استوديوهات عين الشق .. المرحومة زهراء بوسلام وروح المرأة المهنية في الثامن من مارس
كتب / أحمد أكلكيم
في ذاكرة استوديوهات التلفزة بعين الشق، لا تُختزل الأسماء في وظائفها التقنية و الإبداعية فقط ،ولا تُقاس القامات بعدد الساعات التي قضتها خلف الأجهزة أو حتى أمام الكاميرات ، بل بما تركته من أثر إنساني ومهني في الوجدان الجماعي.
ضمن هذه الذاكرة، يبرز اسم المرحومة زهراء بوسلام كإحدى العلامات المضيئة التي تجاوز حضورها حدود “مهندسة فيديو” إلى ما يشبه الضمير الحي داخل هذا الفضاء الاعلامي.
إن استحضار مسار المرحومة زهراء بوسلام ، في هذا الشهر المبارك ،يكتسي معنى مضاعفا وهو يتزامن مع الاحتفاء بالثامن من مارس، اليوم العالمي للمرأة.
في فضاءات استوديوهات عين الشق لم تكن ،زهراء ،مجرد مهندسة فيديو تؤدي عملا تقنيا، بل كانت تمثل صورة المرأة المهنية التي اقتحمت مجالات تقنية دقيقة داخل التلفزيون المغربي في مرحلة لم يكن فيها حضور النساء في مثل هذه التخصصات أمرا مألوفا.
هكذا استطاعت ،زهراء بوسالم ، بهدوئها المعروف وروحها الجماعية، استطاعت أن تكون جزء من تلك الدينامية الإنسانية التي كانت تميز الحياة المهنية داخل عين الشق ، حيث كانت روح التطوع والتضامن المهني تشكل أحد ملامح الثقافة المشتركة بين العاملين.
من هذا المنظور، تتحول سيرة زهراء إلى شاهد رمزي على حضور نسائي مهني ساهم، بصمت وكفاءة، في صناعة الصورة التلفزيونية ،وفي نفس الوقت ترسيخ قيم العمل الجماعي داخل المحطة الجهوية للإذاعة و التلفزة بالدارالبيضاء، لذلك فإن استحضار ذكراها في هذا التوقيت لا يمثل فقط وفاء لزميلة رحلت، بل هو أيضا تحية تقدير لكل النساء (الزميلات) اللواتي اشتغلن داخل هذا الفضاء وأسهمن ، كل واحدة من موقعها، في بناء ذاكرة استوديوهات عين الشق .
المهندسة زهراء بوسلام، عبدية الأصل، بيضاوية المنشأ، تنتمي إلى جيل من المغربيات ،آمن بأن المهنة رسالة قبل أن تكون وظيفة. تخرّجت من المعهد الوطني للبريد، ذلك الصرح الذي كوّن أجيالاً من مهندسي السمعي البصري، فامتلكت منذ بداياتها أدوات تقنية صلبة، سرعان ما وُضعت في خدمة الإعلام العمومي. بدأت مسارها المهني بالإذاعة والتلفزة في مقرها المركزي بالرباط، حيث تشكّلت شخصيتها المهنية الأولى، وتدرّبت على صرامة العمل التلفزيون و خصوصياته التقنية.
غير أن التحول الأبرز في مسارها جاء مع انتقالها إلى المحطة الجهوية للتلفزة بعين الشق، في سياق سياسة ضخ دماء جديدة في استوديوهات عين الشق و. ذلك في الثمانينات من القرن الماضي.
هناك، التحقت بزميلتها وصديقتها المهندسة نجية دركمون، وإلى جانب مهندسين آخرين ، عبد الواحد أشطاطو ،أمحمد الشراقي ،عز الدين فقير والمرحومان عبد الرحمان بنصالح وعبد الرحمان بن الطالب، حيث شكّلوا معا نواة جيل جديد من مهندسي السمعي البصري الذين سيباشرون العمل باحدث التجهيزات و مواكبة التطورات التقنية التي تعرفها مختلف مراحل انتاج الصورة و الصوت ضمن مختلف الأنظمة التي تساعد على الرفع من الجودة صوتا و صورة .
المهندسة زهراء بوسلام … حين تترك الهندسة السمعية البصرية أثرا إيجابيا في الوجدان الجماعي …
في القراءة السوسيو-إعلامية لشخصية المرحومة زهراء بوسلام، يبرز عنصر أساسي يكاد يختصر حضورها داخل استوديوهات عين الشق، وهو روح التطوع التي كانت تؤمن بها باعتبارها قيمة مؤسسة للحياة المهنية المشتركة.
لم تكن تنظر إلى العمل الجمعوي باعتباره نشاطا هامشيا أو عملا موسميا، بل كانت تعتبره امتدادا طبيعيا لرسالة الإعلام العمومي نفسه، القائم في جوهره على خدمة المجتمع. لذلك كانت منخرطة بشكل تلقائي وكبير في مختلف المبادرات التضامنية داخل المحطة.
كانت ، رحمة الله عليها، المبادِرة إلى جمع الزملاء حول فكرة مساعدة زميل مريض، أو دعم أسرة أحد العاملين عند الشدائد، أو تنظيم مبادرات بسيطة لكنها عميقة الدلالة تعيد الدفء الإنساني إلى فضاء العمل.
بهذه الروح التطوعية، تحولت زهراء بوسلام إلى قاطرة صامتة للعمل الجمعوي داخل استوديوهات عين الشق، فهي لا تبحث عن الاعتراف ولا عن الواجهة، بل عن الأثر الإنساني الذي يتركه الفعل التضامني في نفوس الآخرين. وبذلك ، لم تكن تجمع التبرعات فقط، بل كانت تجمع القلوب أيضاً، وتنسج خيوط تضامن جعلت من محطة التلفزة بعين الشق فضاء مهنيا وإنسانيا في آن واحد،
و هي بذلك زهراء تمثل النموذج “المهني-الفاعل الاجتماعي”.
كانت ، المرحومة ،مقبلة على الحياة، مشبعة بطاقة إيجابية، تؤمن بأن جودة الصورة لا تنفصل عن جودة العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة. لذلك لم يكن حضورها محصوراً في ورشات الصيانة أو خلف الكامرات والشاشات، بل امتد إلى الممرات، والمكاتب، وأحاديث ما بعد العمل، حيث تُصنع الروابط غير المرئية التي تحافظ على تماسك الجماعة المهنية.
اهتمامها بالعمل الجمعوي لم يكن نشاطا موازيا، بل جزءا عضويا من هويتها داخل هذا الفضاء الإعلامي، كانت زهراء بوسلام أشبه بـ“الأم تيريزا” … أذن صاغية لكل من يمر بضائقة، ويد ممدودة لكل من يحتاج إلى دعم. عند فقدان أحد الزملاء أو أحد أفراد عائلاتهم، كانت تبادر، في صمت ودون ضجيج، إلى جمع المساهمات من زملائها للقيام بواجبات العزاء. لم تكن تفعل ذلك بوصفه واجبا اداريا، بل باعتباره فعلا إنسانيا يعيد الاعتبار لقيم التضامن داخل مؤسسة كبيرة قد تبتلع أفرادها.
من هذا المنظور، لم تكن زهراء بوسلام مهندسة فيديو فقط، بل مهندسة للعمل الجمعوي بامتياز. كانت تدرك، بحسّها الاجتماعي، أن المؤسسة الإعلامية لا تعيش بالصورة والصوت وحدهما، بل بما يسري بين العاملين فيها من تعاطف وتكافل. هكذا، تحوّل وجودها إلى صمّام أمان اجتماعي، يخفف من قسوة الإيقاع المهني وضغوطه.
في ذاكرة استوديوهات عين الشق، تحضر زهراء بوسلام بوصفها مثالا نادرا على التلاقي بين الاحتراف التقني والالتزام الإنساني. رحلت الجسد، لكن أثرها باق في تفاصيل صغيرة … مبادرات، مواقف، وذكريات يتداولها الزملاء كلما ذُكرت قيم التضامن التي صنعت، في زمن مضى، روح هذا المكان.
رحم الله زهراء بوسلام، وجعل ما قدمته من خير في ميزان حسناتها، وجعل ذكراها نورا دائما في ذاكرة استوديوهات التلفزة بعين الشق.

