Le212news.ma
لم تكن تصريحات وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس بشأن سبتة ومليلية مجرد عبارة عابرةفي ندوة صحفية، حين قالت إن «سبتة ومليلية لا تُمسّ، وإنهما إسبانيتان بشكل كامل». فقدجاءت في سياق حساس، لتعيد إلى الواجهة قضية تاريخية وسياسية لم تُغلق، مهما حاولالبعض التعامل معها باعتبارها أمرا واقعا لا يقبل النقاش.
و نقلت وسائل إعلام إسبانية أن روبليس زارت سبتة يوم 12 غشت 2026، وأكدت التزامالحكومة والقوات المسلحة الإسبانية بحمايتها.
والجواب المغربي، في المقابل، لا يحتاج إلى لغة التهديد ولا إلى استعراض القوة. فالمغرب لايتعامل مع قضية سبتة ومليلية باعتبارها ورقة ظرفية، ولا باعتبارها ملفا يُفتح ويُغلق وفقاًلتقلبات العلاقات الثنائية، وإنما باعتبارها جزءا من قضية استكمال وحدته الترابية.
حين يؤكد المغرب أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان، فإنه لا يعلن موقفا جديدا، ولا يبحث عنأزمة مع إسبانيا، بل يجدد موقفا تاريخياً ثابتا.وفي هذا السياق تكتسب تصريحات وزير العدلالمغربي عبد اللطيف وهبي، خلال حوار تلفزيوني مع قناة «سكاي نيوز عربية»، دلالتهاالسياسية، حين جدد التأكيد على أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان، مشيراً إلى أن المغربيسعى منذ عقود إلى الوصول إلى توافق بشأنهما «بالصبر الممكن، طال الزمن أو قصر».
ف«الصبر» هنا ليس ضعفا، و«التوافق» ليس تنازلا عن المبدأ، وإنما هو اختيار دبلوماسي يضعالمصالح المشتركة والعلاقات التاريخية والجغرافية بين المغرب وإسبانيا فوق منطق التصعيدوالمواجهة.
لقد اختار المغرب، في هذا الملف، أن يترك للتاريخ والدبلوماسية فرصة القيام بدورهما.لكنذلك لا يعني أن الذاكرة الوطنية قد نسيت ان مدينتي سبتة و مليلية مازالتا تحث الاستعمار الإسباني.
قد يكون من السهل، من منظور القوة القائمة على الأرض، القول إن سبتة ومليلية «إسبانيتانبالكامل». لكن العلاقات الدولية لا تُبنى فقط على من يملك السيطرة الفعلية في لحظة تاريخيةمعينة، وإنما أيضاً على التاريخ، والجغرافيا، والحقوق، وتطور المفاهيم السياسية والقانونيةالمتعلقة بإنهاء الاستعمار وتسوية النزاعات الترابية.
ومن المنظور المغربي، فإن استمرار الوجود الإسباني في المدينتين لا يلغي المطالبة المغربية،كما أن مرور الزمن لا يحول الاحتلال إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
والمغرب، عندما يدعو إلى معالجة هذا الملف بالحوار والتفاهم، إنما يؤكد أنه يريد حلاً يراعيمصالح السكان، ويحفظ العلاقات المغربية الإسبانية، ويجنب المنطقة أي توتر غير محسوب .
المفارقة أن المغرب وإسبانيا راكما خلال السنوات الأخيرة نموذجا مهما من التعاون في ملفاتالأمن والهجرة والتجارة والاستثمار ومكافحة الجريمة المنظمة.
فالمغرب، كما قال عبد اللطيف وهبي، «لم يعد دولة عبور بل دولة استقرار»، في إشارة إلىالتحول الذي عرفه موقع المملكة في منظومة الهجرة الإقليمية. كما أشار إلى التحدياتالمتزايدة التي يعرفها هذا الملف، ومن بينها نشاط العصابات التي تستغل أوضاع المهاجرين،مؤكداً أن السلطات المغربية تتابع الوضع.
وهنا تحديداً ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: المغرب شريك في معالجة التحديات، وليس مجردحارس لحدود الآخرين.
لقد تحمل المغرب أعباء كبيرة في مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وهو مايجعل التعاون المغربي الإسباني ضرورة استراتيجية للطرفين، لا منّة من طرف على آخر.ومنالخطأ السياسي أن تتحول قضايا الهجرة والأمن إلى مدخل لإعادة إنتاج خطاب متوتر حول سبتةومليلية.
إن المغرب لا يحتاج إلى أن يرد على خطاب القوة بخطاب قوة مماثل.ولا يحتاج إلى التلويحبأوراق الضغط، لأن موقعه الجغرافي ودوره الإقليمي وشراكاته الدولية تمنحه من عناصر القوةما يكفي ليجعل دبلوماسيته هادئة، لكنها واضحة.
والرسالة المغربية يمكن اختصارها في ثلاث كلمات:لا استعجال، ولا تنازل، ولا مواجهة: لا استعجال، لأن القضايا التاريخية الكبرى لا تحلبالانفعال،ولا تنازل، لأن الموقف من سبتة ومليلية مرتبط بثوابت وطنية راسخة،ولا مواجهة، لأنالمغرب يدرك أن العلاقة مع إسبانيا أكبر من أن تختزل في خلاف حول مدينتين.وهذه هي قوةالدبلوماسية الهادئة: أن تتمسك بالمبدأ من دون أن تغلق باب الحوار.
إن إسبانيا، بما لها من وزن أوروبي ومتوسطي، تعرف جيداً أن العلاقة مع المغرب ليست علاقةعابرة.فالجغرافيا حكمت على البلدين بأن يكونا جارين، والتاريخ جعلهما متداخلين، والمصالحالاقتصادية والأمنية جعلت التعاون بينهما ضرورة متبادلة.ولهذا فإن الحكمة تقتضي ألا تتحولسبتة ومليلية إلى عنوان دائم للتوتر بين الرباط ومدريد.
فإذا كانت إسبانيا تريد علاقة استراتيجية مستقرة مع المغرب، فإن عليها أن تدرك أن الاستقرارالحقيقي لا يقوم على تجاهل الملفات الحساسة، وإنما على القدرة على مناقشتها بجرأة، لذلكفإن التصريحات التي تعتمد لغة القطع والحسم لن تغير الموقف المغربي، كما أن الردودالانفعالية لن تقرب وجهات النظر.
فالمغرب لا يريد حربا مع إسبانيا، ولا يريد المساس بالمصالح المشروعة لسكان سبتة ومليلية،ولا يسعى إلى زعزعة الاستقرار في الضفة الشمالية للمتوسط.إنه يريد شيئاً أكثر بساطة وعمقا ؛أن يُفتح هذا الملف ذات يوم على طاولة التاريخ والدبلوماسية، بعيدا عن منطق الأمر الواقعولغة «لن نسمح».
إن القضايا الوطنية ،لا تُحسم بالصوت المرتفع، ولا تُلغى بالتصريحات العسكرية، وإنما تجدطريقها إلى الحل عندما تنضج الظروف السياسية والتاريخية.
وسيظل المغرب، كما قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، صابرا على طريق التوافق، «طال الزمنأو قصر».فالتاريخ لا يستعجل أحدا، لكنه أيضا لا ينسى القضايا التي بقيت مفتوحة.

