كتب أحمد أكلكيم
في زمن لم نعد نستطيع فيه التفريق بين الحقيقة و الوهم، و تبخرت فيه المسافة بين الخبر والمحتوى المصطنع، تبرز السيادة الإعلامية كإحدى القضايا المركزية في بناء الوعي الجمعي وصيانة الاستقلال الرمزي للمجتمعات، شأنها شأن عدم اكتفاء الدول بالحفاظ على كيانها بالحدود الجغرافية أو السيادة السياسية فقط، بل بقدرتها على امتلاك فضائها الإعلامي والمعرفي، بما يضمن أن يكون خطابها عن ذاتها نابعًا من داخلها، لا مفروضًا عليها من الخارج.
في سياق سوسيولوجيا التلقي، لا يمكن النظر إلى الإعلام بوصفه مجرد وسيلة لبث الرسائل، بل هو حقلٍ تفاعلي تتقاطع فيه السلطة والمعنى والتمثلات. فالمتلقي لم يعد ذلك الكائن السلبي الذي يستهلك الخطاب الإعلامي كما هو، بل أصبح فاعلاً اجتماعياً يسهم في إعادة إنتاجه وتأويله وفق موقعه الثقافي والاجتماعي. غير أن هذا التفاعل قد يتحول إلى منطقة هشّة إذا غابت السيادة الإعلامية، أي إذا فقد المجتمع السيطرة على مصادر المعرفة والخطاب المؤطر للوعي.
مع رقمنة الاتصال وهيمنة المنصات العابرة للحدود، أصبحت المعركة الحقيقية هي معركة الوعي. إذ لم يعد التضليل يقتصر على نشر الأخبار الزائفة، بل تعداه إلى تشكيل أنماط التفكير والذوق والتفاعل، عبر خوارزميات موجهة تستهدف العواطف أكثر من العقول، وتعيد تشكيل الرأي العام وفق أجندات خفية. وهنا تتجلى أهمية السيادة الإعلامية كإطار دفاعي استراتيجي، ليس ضد الخارج فقط، بل ضد اختراق الوعي الجماعي وتشويش الإدراك النقدي للمواطن.
إن مسألة الدفاع عن السيادة الإعلامية لا يعني الرفض التام للتفاعل مع الآخر، بقدر ما هو امتلاك القدرة على التمييز والفهم والتأويل؛ أي أن يكون المجتمع قادراً على استقبال الرسائل الإعلامية من موقع الفاعل لا التابع. فالمجتمعات التي تفتقد استقلالها الإعلامي تظل مهددة بأن تُروى قصتها بلسان غيرها، وأن يُعاد تشكيل وعيها وفق منطق الهيمنة الرمزية التي تحدث عنها بيير بورديو.
من هذا المنظور، يصبح الإعلام الوطني المستقل والمهني شرطاً ضرورياً لبناء مناعة فكرية ضد التضليل. فالسيادة لا تتحقق بالشعارات، بل عبر منظومات إنتاج محتوى تمتلك أدواتها المادية (التقنية) والرمزية (القيم والمعايير المهنية)، وتخاطب جمهورها بلغة الثقة والاحترام لا بلغة التوجيه أو الوصاية.
إن التلقي الواعي هو الحصن الأخير أمام سيل التضليل. فكلما تطور وعي المتلقي وقدرته على القراءة النقدية للرسائل الإعلامية، كلما ارتفعت مناعة المجتمع ضد التلاعب بالعقول. وهنا تتكامل السيادة الإعلامية مع التربية على الإعلام، لتشكّل ركيزة الدفاع عن الإنسان المواطن في مواجهة “الاستعمار الرمزي” الجديد.
وفي الختام، يمكن القول إن السيادة الإعلامية ليست خياراً تقنياً أو مؤسساتياً فحسب، بل هي رهان سوسيولوجي وأخلاقي يروم حماية الوعي من الانقياد، وصون العقل الجمعي من الاستلاب. فحين يمتلك المجتمع لغته وصوته وخطابه، يصبح قادراً على الدفاع عن ذاته في مواجهة آلة التضليل العالمية، ويستعيد بذلك جوهر إنسانيته: الحق في أن يفكر بحرية، ويستقبل بوعي، ويتكلم بصوته الحقيقي.

