بقلم سعيد ودغيري حسني
في زمن تاهت فيه الأصوات وضاعت النبرات وصارت الأغاني تمر كما تمر الأخبار العابرة يظهر عزوز الحوري كرسول لوتر ينبض بالحنين وكاتب يعانق الذكريات وباحث عن حياة صادقة تفيض أصالة لا يقدّم عزوز كتابا فقط بل يفتح لنا أبواب معبد الطرب المغربي حيث كل لحن صلاة وكل مطرب نبي وكل مقام شجرة نسب تعود جذورها إلى شقوق القلب وعروق الروح
هذا الكتاب ليس مجرد تأريخ للفن المغربي بل هو جسر وجداني طويل يصل ما انقطع ويوقظ ما خفت بين جيل وجيل يضعنا وجهاً لوجه مع مئة سنة من الطرب المغربي المتنوع العريق حيث نجد كل الألوان الموسيقية وكل الانتماءات الروحية والعرقية متداخلة في سيمفونية واحدة تُدعى المغرب
ولأن الذاكرة لا تكتمل إلا بمن سكنها في لحظة الصفاء وجب التوقف عند أولئك الفنانين المغاربة اليهود الذين حفظوا المقام وغنوا الحنين وصاغوا الموال بدم القلب فنانون كزوهرة الفاسية وسامي المغربي وسليم الهلالي وسيتا بلغرية ورينيه بيريز وبا شعيب وسالومو ونيتا الملاح وآخرين ممن نقشت أصواتهم في الفولكلور المغربي قبل أن تُمحى من كثير من دفاتر النسيان
هم أبناء هذا الوطن نحتوا أغنيته الأولى من رحم الملاح من أزقة فاس ومكناس وصفرو والبيضاء غنّوا للأمل والحنين كما غنّى إخوتهم المسلمون دون أن يسألهم أحد عن دينهم أو نسبهم أو أفقهم كانوا صوتًا خالصًا لهذا الوطن لا يُفرَّق بينه وبين صوت المؤذن في السحَر
غنّت زوهرة الفاسية أش داك تمشي للزين وغنّى سليم الهلالي أش بيك يا قلبي بنَفَس لا تقدر عليه سوى الأرواح الطاهرة وعزف با شعيب على الكمان في ليالٍ كانت الرباط فيها تغفو على نغمة وتستيقظ على ذكرى كلهم كانوا أبناء الحنين حفظة النغمة أصحاب رسالة لا تزول
أما أحمد البيضاوي ذلك الصوت المضمّخ بالنبل فهو ملحن ومغن لا يُذكر اسمه إلا وارتعشت الأذواق الرفيعة وتوقفت الذكرى في منتصف القلب ذاك الذي لحّن بصوت الفخامة قصائد من حرير كقصيدة حبيبي تعالى
حبيبي تعالى تجد منزلك معدا كما كان من قبل لك
وكم بعثنا مع النسيم سلاما للحبيب الجميل حيث أقاما
كلمات من ذهب لحّنها البيضاوي كأنه ينحت في الهواء معبدا للغائبين غنى للحب وللغياب ولللقاء كما لا يغني إلا من عرف الليل طويلاً وعرَف الانتظار مريرًا
الكتاب يأخذنا أيضًا في رحلة عبر العيطة والملحون والأندلسي والطرب العصري ويوقفنا عند محطات كان فيها الفن المغربي يتنفّس بصدق يُكتب في المقاهي وتُجرى البروفات في البيوت وتُبنى الشهرة على الكلمة لا على الصورة على الصوت لا على الشكل
يكتب عزوز الحوري بدمع العين لا بحبر القلم نسمعه في كل فقرة كأنه يسرد علينا جزءا من ذاته لا يكتب عن فنانين بل عن أفراد من عائلته عن جيران الحي عن أصوات لا تزال تهدهد ذاكرته في المنفى
هو لا ينحاز لفنان ضد آخر بل ينحاز إلى المغرب في كل تجلياته المغرب الذي يسكن في نغمة والذي صاغ لنفسه عبر قرن ذاكرة سمعية لا تشيخ فكل جملة موسيقية فيه هي حكاية وكل مطرب هو راوية وكل مقام هو وطن صغير
لقد أنصف الكتاب الجميع ولم يغفل عن روح التعددية التي ميّزت الفن المغربي منذ نشأته فاستحضر المرأة والرجل والبدو والحضر والمسلمين واليهود والصاعدين والمنسيين وجعلهم جميعا يُغنون في كورال واحد عنوانه نحن المغاربة أبناء النغمة العتيقة
فشكرا لعزوز الحوري لأنه لم يكتب فقط كتابا بل أعاد إلينا الوطن عبر صوته وذاكرته
فمن لا يحفظ ألحانه يموت مرتين
ومن لا يقرأ هذا الكتاب لا يعرف كيف كان المغرب يغني وهو يبكي
ويشتاق وهو يزرع ضوءه في سماء الغياب
رباعية الختام
في كل وتر ألف حكاية
وفي كل صوت فينا بداية
فالغناء للروح دواء
وللنفس أصفى الهدايا


