نيويورك / عبد الكريم مومن
تعرف المقايضة القوية أو أسلوب الحكم الحديث ب: ماذا ستعطيني؟ ماذا سأكسب منك؟ إذا لم أستفد، لا قيمة لك عندي
حين تصبح القوة هي الشرط الأساسي للابتزاز السياسي والاقتصادي الناجح.
من واشنطن إلى موسكو، ومن باريس إلى القارة الإفريقية ثم الصين، تتكرر هذه الجملة في دوائر القرار، حتى وإن لم تُقال علناً:
إذا لم تُفدني، لا أحتاجك.
هذه هي استراتيجية المقايضة القوية التي لا تعترف بالعواطف أو التقاليد، بل تُبنى على تبادل المنافع:
أعطني مقابل ما تأخذ، وإلا انسحب. إنها لعبة من يفرض شروطه لأنه الأقوى، لا من يحلم بالندية دون أوراق ضغط.
ترامب: المقايضة كعقيدة
الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب ذكي جدا ويُجسّد هذه الفلسفة بدقة عالية. سواء في مفاوضاته التجارية مع الصين، أو في علاقاته مع حلفائه في الناتو والخليج، أو حين ضغط على الدول في ملفات حساسة، كان دائماً يسأل:
ما الذي سأكسبه؟ لماذا أستمر بدعمكم؟ وما الذي سوف تخسرون إذا عارضتوني؟ وهل هناك عرض أفضل من الإصطفاف في صفي؟
هنا يترك للطرف الآخر مسافة قصيرة وحيز زمني ضيق للتفكير. وبهاته الاستراتيجية يجعل العالم برمته يرقص مثل الذيك المذبوح لأنه يعي جيدا جدا مدى إحتياج العالم لأمريكا وحجم سوقها وماذا يمثل ضياع الفرص لدول عدة.
ترامب لا يساوم كسياسي، بل يفاوض كمدير تنفيذي لأقوى شركة على وجه الأرض: أميركا.
يفرض الأمر الواقع لأنه قادر على فرضه، وهذه ليست وقاحة، بل واقعية قاسية تستند إلى التفوق العسكري، الاقتصادي، الإعلامي، والتكنولوجي، وهو يدرك جيدا أن أسلوب الحكم الذي يواتيه هو: إما معي أو الجحيم.
حين تفشل المقايضة: درس من فرنسا في إفريقيا
في المقابل، حين تُمارس هذه الاستراتيجية من دون امتلاك أدوات السيطرة الكاملة، فإنها تنقلب على صاحبها.
فرنسا، لعقود، استخدمت النفوذ والابتزاز الاقتصادي في مستعمراتها السابقة في غرب إفريقيا. فرضت عملة الفرنك الإفريقي، وحافظت على نفوذ عسكري وثقافي واسع. لكنها كانت تساوم دون أن تكون فعلياً الأقوى في الزمن الجديد.
نتيجة ذلك؟ سلسلة انقلابات متتالية في مالي، بوركينا فاسو، النيجر، وتشاد…
النتيجة الكبرى؟ انسحاب فرنسي مهين، وصعود روسيا بقوة ناعمة وخشنة.
الزعماء الجدد، مثل قادة النيجر ومالي، لم يخشوا باريس، لأنهم لم يعودوا يرون فيها قوة حقيقية. بينما وجدوا في موسكو (ولو رمزياً) سنداً جديداً.
الدرس: لا يمكنك فرض الشروط إذا لم تعد أنت الطرف الأقوى، او تملك ما يحتاجه الأقوى لكي تكون مفاوضا ندا له، وهذا لايعني أن تكون الأقوى على الإطلاق كحال أمريكا، ولكن لديك ما يحتاجه الآخر حتى ولو كان أقوى منك، هنا نعتبر أن القوة شيء نسبي يتغير من طرف لآخر حسب ملفات معينة.
المقايضة والحب والخوف: أدوات النفوذ
الفاعلون الأقوياء، مثل ترامب أو بوتين، يمزجون بين ثلاثة أسلحة:
المصلحة: خُذ وأعطِ، ولا شيء مجانياً.
الحب: اجعلهم معجبين بك، يريدونك شريكاً، ولديك قيمة مضافة سوف يستفيدون منها.
الخوف: ذكّرهم دوماً أنك قادر على معاقبتهم، أو أن خروجك من صفهم أو حلفهم قد يجعلهم يفقدون جزءا من القوة.
أمثلة ناجحة وأخرى فاشلة
ترامب مع الخليج وأوروبا كان ناجح لأنه هو الأقوى اقتصادياً وعسكرياً.
بوتين في أوكرانيا نجاح جزئي ونسبي، لأنه استخدم الخوف والمصلحة ولكن العائق كان فشله في الحشد الدولي الكامل، وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه في سوريا، بوتين قوي لكن دون فعالية قصوى لأنه ليس هو العراب بالعالم.
فرنسا في إفريقيا أصبحت فاشلة لأنها استخدمت الابتزاز دون قوة حقيقية داعمة.
الصين مع دول جنوب شرق آسيا كانت ذكية ومرنة تمزج بين المصلحة والمساعدات والبنية التحتية بدون تهديدات
النتيجة هي ان هاته السياسة لا تصلح للجميع
المقايضة القوية ليست استراتيجية للجميع.
لا يمكن أن تمارسها وأنت ضعيف، أو دون تحالفات، أو وأنت فاقد للثقة والاحترام أو أنك تفتقر لإضافة فعالة.
هي سياسة القوي الذي لا يحتاج لإقناع الآخرين، بل فقط لتحديد شروط اللعبة.
وفي عالم تتحكم فيه القوة، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بصفته قائد أقوى دولة، قد يكون محقاً في فرض الأمر الواقع. ليس لأنه بالضرورة الأعدل (الامبراطوريات على مر التاريخ لم تقم على العدل، بل على التوسع)، بل لأنه الأقوى، والأقوى دائماً يربح في لعبة المصالح، وجل الامبراطوريات على مر التاريخ، كان إستمرارها رهين بالقوة.
كيف يمكنك الحصول على القوة؟

