نيويورك/ عبد الكريم مومن
سواء كنت رجل السلطة، أو رجل مال واعمال ومستثمر، أو كنت مدرسا أو كنت ابا تنصح ابنائك…. عليك ان توجههم نحو التفكير في القادم أو المستقبل…
انطلق دائما من حديث: لو مازال في عمر بني آدم يوم واحد، فليغرس شجرة، فقد يأكل منها وكذلك ذريته والإنسانية جمعاء ويبقى أجرها دائم يصله…
حسنا، دائما عندما نناقش موضوع الذكاء الاصطناعي في مجتمعاتنا أو مع رؤسائنا أو مرؤوسينا أو حتى عائلتك والمقربين منك، يتبادر إلى الذهن ان هذا من مواضيع الرفاهية التي تخص العالم المتقدم، وغالبا ما يثم الاستهزاء بك أو التنمر، لكن شئنا ام أبينا فهاته صيرورة تاريخية سوف تصبح واقعا في القريب العاجل،
لكن أليكم بعض الترتيبات لكي تجعل الناس والمحيطين بك وحتى رؤساءك ومرؤوسيك يستوعبون الفكرة.
حاول في الأول شرح أخطار الذكاء،الاصطناعي حاليا والتحدي الموجود، مثل طرح تساؤلات: لقد وقع تطور فهل نحن مستعدون لهذا التحول؟
يمكن استغلال الذكاء الاصطناعي لتزوير الحقائق والوثائق وحتى الشخصيات، فهل نحن في مأمن؟
هكذا تهيئ العقول لإستيعاب الفكرة وتحفيز الادمغة، وبالتالي تتبلور الأفكار وتنمو تباعا وتبدأ تتكلم عن فوائد الاستفاذة القصوى من هاته الطفرة.
انا ارى ان من يفوت الفرصة في الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي اليوم، كمن فوت فرصة شراء العملات الرقمية في سنة 2010
الذكاء الاصطناعي والمستقبل: هل نحن مستعدون لما هو قادم؟
أمامنا عشر سنوات فقط، ولكن من أين لي بهذا التخميم؟
عشر سنوات لأن معظم الدول المتقدمة والشركات العابرة للقارات والتكنولوجيا أعلنت انها سوف تستثمر أكثر من ست ثريليون دولار على مدى عشر سنوات القادمة، إذن هذا الرقم لم يأتي من فراغ، والاستثمار المرصود ليس رقما عبثيا أيضا.
لذلك إما الآن أو لا.
انا لا أتكلم عن الذكاء الاصطناعي العادي، بل اتكلم عن ذكاء سوبر يفوق العقل البشري.
كذلك لن اتكلم كمتحمس ( في التجارة والتفكير، لا يمكن الاعتماد على الحماس، كمن يقول لك كان السوق ممتاز في إنتاج البصل لنزرع البصل هاته السنة، أو فلان نجح له مشروع مقهى أو مطعم هنا سوف تسقط في تفكير القطيع، لأنك لا تعرف أرقام من تقلده ولا تفكيره قبل الاستثمار، لكن العكس صحيح حينما يكون تفكيرك براغماتي، نابع من المصلحة والواقعية، تطرح أسئلة وتبحث عن أجوبة وتبدأ من:
هل هذا المشروع الاستثماري يناسبني وسوف ارتاح فيه؟
هل تتوفر الإمكانيات المعقولة لنجاحه؟
هل تتوفر وسائل الإنتاج ومتاحة بطريقة تنافسية وانتاجية؟
هل لدي الإمكانيات لقيام المشروع ومصادر التمويل؟
ثم هل لذي خطط لو انقلب السوق او تغير أو تغيرت سلوكيات المستهلك أو المنافس؟
ما هي هاته الخطط، أ ب ج ؟
في الوقت الذي تُنفق فيه الدول المتقدمة مليارات الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي، وتُعيد تشكيل اقتصاداتها وفق ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، تقف العديد من الدول النامية في موقع المتفرج، منشغلة بصادراتها التقليدية من المواد الفلاحية الطبيعية والمصنعة وبعض الصناعات الخفيفة والثقيلة. لكن، هل تدرك هذه الدول أن ما تنتجه اليوم بتكلفة منخفضة قد لا يجد له سوقاً في المستقبل القريب؟
التحول العالمي القادم:
يشهد العالم تطوراً سريعاً نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في شتى المجالات، من الصناعة والزراعة إلى الصحة والتعليم والخدمات. بدأت الدول الصناعية فعلياً في تقليص الاعتماد على اليد العاملة البشرية، واستبدالها بأنظمة ذكية وآلات ذاتية الحركة والإنتاج. فماذا سيحدث عندما تصبح هذه الدول قادرة على إنتاج احتياجاتها داخلياً بتكاليف أقل ودون الحاجة للاستيراد من بلداننا؟
مراحل تطور الذكاء الاصطناعي:
1 الذكاء الضيق (Narrow AI): أنظمة تنفذ مهام محددة بكفاءة عالية.
2 الذكاء العام (AGI): أنظمة تفكر وتتعلم مثل البشر.
3 الذكاء الفائق (Superintelligence): أنظمة تتفوق على العقل البشري في جميع المجالات.
وفقًا لتقارير اقتصادية حديثة، بلغ حجم الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي عام 2023 أكثر من 62.5 مليار يورو، حصة الولايات المتحدة وحدها منها تتجاوز 40 مليار يورو، بينما ضخت الصين 7.3 مليار يورو، وأوروبا قرابة 9 مليارات يورو.
التحدي الكبير للدول النامية:
إذا استمرت هذه الفجوة في التوسع، فإن ميزة اليد العاملة الرخيصة التي نعتمد عليها اليوم، ستفقد قيمتها في الأسواق العالمية. وسيصبح الإنتاج الآلي الذكي أكثر كفاءة وربحية. وهذا يُهدد اقتصادنا المعتمد على التصدير، وقد يؤدي إلى تقليص الطلب على صادراتنا من الفلاحة والموارد الأولية.
ما الذي علينا فعله او يمكن التفكير به؟
أمام هذا الواقع، لا خيار أمامنا سوى التحرك الذكي والسريع:
1 تعزيز السوق الداخلي: عبر دعم الصناعات المحلية وتطوير سلاسل إنتاج متكاملة تضمن الاستهلاك الداخلي المستقر وتخفف من الاعتماد على التصدير.
2 التوجه إلى الأسواق الإفريقية والآسيوية الناشئة: حيث الفرص لا تزال متاحة، والمنافسة التكنولوجية لم تبلغ ذروتها.
3 التفكير فيما يمكننا إنتاجه وتصديره بخلاف المواد الخام: مثل الخدمات الرقمية، التطبيقات المحلية، المحتوى الثقافي، الفلاحة الذكية، والطاقات البديلة.
4الاستثمار في الذكاء الاصطناعي محلياً: ليس فقط لمواكبة التطورات، بل لتقليل التكاليف، ورفع الجودة، وتحقيق السيادة الرقمية والتقنية.
5مواءمة قوانيننا مع المعايير الدولية: ولكن بأسلوب ذكي وغير مكلف، مثل التساهل الذكي مع اعتماد ضريبة الكربون أو رسوم الازدحام ورسوم الموانئ وغيرها، بما يتيح التوافق البيئي دون التأثير سلباً على النمو الاقتصادي.
6 تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي: من خلال تخفيض الضرائب على المستثمرين، وتقديم تسهيلات واسعة تخلق مناخاً تنافسياً جاذباً لرأس المال.
7 الاستثمار في الشركات العالمية العابرة للقارات:
- عبر شراء أسهم أو الدخول في شراكات مع شركات الذكاء الاصطناعي العالمية، بهدف جني أرباح مستقبلية وضمان موقع استراتيجي في خارطة الاقتصاد العالمي الجديد.
خلاصة القول : عشر سنين من الآن
لدينا أقل من عقد من الزمن لنواكب الثورة الصناعية الرابعة. العالم يتغير بوتيرة متسارعة، ومن لا يُبادر بالتأقلم والمنافسة، سيجد نفسه خارج اللعبة.
الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية وأمنية واستراتيجية. فلنبدأ الآن، قبل أن يصبح الوقت عدواً لا حليفاً.

