..
وانا اتابع الدخول المدرسي لهذه السنة.. خطر ببالي كل صباح في مغرب الستينات.. النهوض قبل شروق الشمس.. أصوات الديك والحمام تتخلل الظلام.. خطواتنا على الطريق المبلل بالندى.. رائحة الخبز الساخن تتسلل من النوافذ.. صوت الأم وهي تنادي.. تداعبنا بلمساتها الأخيرة قبل مغادرتنا.. كل شيء ينبض بالحياة.. كل شيء يهمس بأننا على مشارف عالم جديد..
في الصباح الباكر، كان بائعو الماء يوزعون الماء على المنازل التي لم تزود بعد.. رجل أعمى يجر عربته بخفة، يعرف دارًا دارًا.. يملأ القوارير ويضعها أمام الأبواب.. يعبئ الماء من عوينة الصابون (ساحة السراغنة.). صوت عربته ينساب كأنغام.. كل حركة محسوبة.. كل جرة تحمل الحياة..
كانت هناك أيضًا عربة تجرها خيول من أصل إيرلندي، تبيع الجافيل.. البائع يصدح بصوت مرتفع: “جافيل.. جافيل..” صوت يتردد في الأزقة يخلط بين الرائحة والضجيج.. وصوت بائع الحليب يملأ الحي بالدفء.. وصوت بائع النعناع يقطر البرودة والانتعاش.. كل الأصوات تختلط مع خطواتنا الصغيرة.. مع ضحكات الأطفال.. مع حفيف الأشجار..
وصلنا إلى المدرسة.. الطاولات الخشبية التي تئن تحت أوزاننا.. السبورة السوداء التي تحمل كل أحلامنا وكلماتنا.. المداد الذي يبتلع الريشة ويترك أثرًا دائمًا.. المنشفة التي تمسح الأخطاء.. المسطرة التي تقيس كل شيء بدقة.. كل أداة تحمل قصة.. قصة الجهد.. قصة الصبر.. قصة الاكتشاف..
الأناشيد في الصباح.. أصواتنا تتعالى.. كلماتها تتشرب الحنين.. تتناغم مع دقات قلوبنا.. هندام المعلمين الرسمي.. القمصان والسترات.. وزرة التلاميذ التي توحدنا كجسد واحد.. كنا نمشي نحو الصفوف مثل سرب صغير.. كلنا متشوقون.. كلنا فضول..
المراقبة الطبية السنوية.. رائحة الكحول على الأيدي.. فحص النظر.. قياس الطول والوزن.. كل شيء كان طقسًا.. طقسًا له نغمة وذكريات.. طقسًا يعلمنا أن العناية بالروح والجسد جزء من رحلة التعلم..
والصورة السنوية.. اللحظة المقدسة.. نصطف أمام المعلمين والمدير.. تتصدر لوحة مكتوب عليها الفصل.. كذا سنة كذا.. ابتساماتنا تتنوع بين الخجل والفخر.. نشتري الصورة ونضعها في برواز.. كل صورة تروي فصلًا من حياتنا.. كل صورة تحمل ذكرى.. كل صورة تحفر لحظة في الذاكرة..
ومعلمنا في الصيف يدير المخيم.. يأخذنا إلى فضاءات جديدة.. نركض في الطبيعة.. نضحك ونلعب.. نكتشف الأرض والسماء.. نشم رائحة الأشجار.. نلمس التراب تحت أقدامنا.. نغني الأناشيد ونركض وراء الرياح.. كل يوم في المخيم مغامرة.. ثم نعود إلى المدرسة الأخرى.. كل مدرسة تحمل عالمًا مختلفًا.. كل فصل عبق تجربة جديدة..
في الفناء.. الكرة الملساء تتدحرج بين الأرجل.. الطفولة تركض وراء ضحكاتها.. أصوات الصياح تمتزج مع أصوات الأجراس.. العصافير تحلق فوق الأسطح.. الهواء يحمل رائحة الأرض الممطرة.. كل شيء حي.. كل شيء يغني للحرية الصغيرة..
وبعد المدرسة.. نركض في الأزقة.. نلعب بين البيوت.. نختبئ تحت الأشجار.. نضحك بلا توقف.. نأكل الفواكه التي اشتريناها من الباعة.. نسمع أصوات الحياة في كل مكان.. الحي كله حديقة كبيرة.. كل شيء مغامرة.. كل شيء اكتشاف..
في المساء.. العودة إلى البيت.. رائحة الطعام الذي تعده الأم.. صوت الأواني على الموقد.. وجبة العائلة.. قصص الأم قبل النوم.. أحاديث الجد والجدة.. دفء البيت يضمنا.. ننام ونحن نحلم باليوم التالي.. بالصباح الجديد.. بالمدرسة.. بالفناء.. باللعب.. بالرحلة..
نعم.. زمن لن يعود.. زمن النهوض في الظلام.. طاولات خشبية.. سبورة سوداء.. طباشير تكتب على اللوحة.. منشفة تمسح الأخطاء.. مسطرة تحدد الخطوط.. أناشيد الصباح.. وزرة التلاميذ.. هندام المعلمين.. المراقبة الطبية.. الصورة السنوية.. المخيم الصيفي.. الألعاب في الفناء.. رائحة الأرض والمطر.. صوت الشارع والباعة.. ضحكات الأطفال.. كل شيء صنعه الفضول.. كل شيء يجعل الطفل إنسانًا..
هذا هو مغرب الستينات.. مغرب المدرسة.. مغرب الطفولة.. مغرب الاكتشاف.. مغرب الذكريات التي لا تنتهي.. كل يوم فيه مغامرة.. كل لحظة فيه حياة.. كل ركن فيه حكاية.. وكل قلب صغير فيه شاعر ومكتشف..
هنا، بين الطاولات القديمة.. بين السبورة السوداء.. بين رائحة المداد والمنشفة.. بين الأناشيد والألعاب.. بين ضحكات الأطفال ومعلميهم.. بين الشارع والبيت.. بين المخيم الصيفي وأشجار الطبيعة.. بين بائع الماء والنعناع والجافيل والحليب.. تبقى الروح.. تبقى الذكرى.. تبقى العيون تلمع بالفضول.. تبقى القلوب مفتوحة للعالم..
كل صباح كان قصيدة.. كل درس كان لحنًا.. كل ضحكة شعلة.. كل صورة نافذة إلى الماضي.. وكل لحظة حجر الأساس لمستقبلنا.. وكل ذكرى شعلة لا تنطفئ

