بقلم: سعيد ودغيري حسني
المغرب تلك الأرض التي تتمتع بتاريخ طويل من الإبداع والفن تفتخر بجملة من الإنجازات الثقافية التي جعلتها مركزًا للانفتاح على العالم وملتقى للحضارات والفنون المختلفة من موسيقى العيطة إلى الجاز المغربي ومن الشعر الأمازيغي إلى الأدب العربي يظل المغرب مهدًا للإبداع والفنون التي تعكس تنوعه الثقافي والإنساني فالفن في المغرب ليس مجرد ترف بل هو جزء من الهوية يشكل الذاكرة الجماعية ويعبر عن تاريخ طويل من التأثيرات الثقافية المتنوعة على مر العصور امتزجت تقاليد المغرب الغنية مع الانفتاح على العالم فظهرت مدارس فنية متعددة تعكس ذلك التفاعل المبدع بين الشرق والغرب
لكننا وفي خضم هذا الانفتاح على الثقافات العالمية نحتاج إلى تذكير شبابنا بأنهم ليسوا مجرد مستهلكين لما يأتي من الخارج بل هم جزء من هذا المشهد الثقافي الغني الذي ينبغي أن يساهموا في دعم وتعزيزه نعم من حق شبابنا أن يتابعوا فنانين من جميع أنحاء العالم أن ينفتحوا على تجارب جديدة وألوان ثقافية متعددة لكن عليهم أن لا ينسوا فنانين بلادهم الذين حملوا لواء الإبداع والفن المحلي عبر الأجيال من الشاعر إلى الرسام والموسيقي والممثل تعدّ تلك الشخصيات الفنية جسورًا تنقل الأصوات المغربية إلى العالم وهم الأبطال الذين ساهموا في بناء هوية وطنية ثابتة
نحن بحاجة إلى فهم أن الهوية الثقافية لا تتعارض مع الانفتاح على ثقافات العالم بل إن تعزيز الثقافة المحلية والفن المحلي لا يمنع من الاهتمام بالفنون العالمية في الواقع الفنون العالمية تلهم الفنانين المغاربة وتفتح أمامهم آفاقًا واسعة لكن ذلك لا يعني تجاهل الفنانين المحليين الذين يقدمون أعمالًا غنية تعبر عن محيطهم الاجتماعي والإنساني علينا أن نكون جزءًا من تلك الحركة الداعمة للفن المحلي ونشجع على مشاهدة المسرحيات المغربية والاستماع إلى الأغاني المغربية ومتابعة الأفلام التي تعكس واقعنا المغربي
يجب أن نعي جميعًا أن هذا التوازن بين الانفتاح على الفن العالمي ودعم فنوننا المحلية هو ما يصنع شخصية ثقافية متكاملة ومتجددة علينا أن نشجع شبابنا على اكتشاف الفنانين المحليين الذين أسهموا في إثراء مشهدنا الثقافي من الشعراء إلى المسرحيين ومن الموسيقيين إلى الرسامين وغيرهم من المبدعين الذين يكتبون تاريخنا الثقافي بأيدٍ مغربية يجب أن نقوم بتوفير منصات لعرض أعمالهم مثل المهرجانات الفنية والمعارض التي تعتبر وسيلة حيوية للتعريف بالفنانين المحليين وجذب الجمهور إليهم
إن الشباب اليوم وهم طليعة المستقبل هم من بيدهم مهمة حماية هذا الإرث الفني والثقافي والاعتزاز به لذا يقع على عاتقنا جميعًا بدءًا من الأسر وصولًا إلى المؤسسات الثقافية والتعليمية أن نغرس فيهم حب الفن المحلي وأن نفتح أمامهم أبوابًا للتعرف على مبدعيهم وتقدير إنجازاتهم إن التربية على الفنون هي أحد أهم الجوانب التي يجب أن تركز عليها المؤسسات التعليمية لتنشئة جيل من المواطنين المثقفين الذين يقدرون إبداعاتهم المحلية قبل أي شيء آخر
إن الفن والثقافة يشكلان قاطرة التنمية الحقيقية لأي مجتمع لا يمكن لأي بلد أن يتطور دون أن يكون له أساس ثقافي وفني قوي إن الفنون لا تساهم فقط في إثراء الحياة الجمالية للناس بل هي أيضًا وسيلة حيوية لبناء هوية وطنية وشخصية مجتمعية مستقلة من خلال الفن يمكننا تقديم رسائل مهمة حول قضايا اجتماعية اقتصادية وتاريخية ومشاركة العالم رؤية مغربية فريدة الفن هو مرآة المجتمع يعكس همومه وآماله ويشعرنا جميعًا بإنسانيتنا المشتركة
إن ورش دعم الفن والثقافة مثلما هو الحال مع تشجيع الشباب على متابعة فنانين من بلادهم هو مشروع طويل الأمد يتطلب تضافر الجهود من الجميع فالفنان المغربي بحاجة إلى جمهور واعٍ يقدره ويدعمه والجمهور بحاجة إلى فنان يعكس صوته وهمومه علينا أن نخلق بيئة ثقافية تشجع على التفاعل بين الفنان والجمهور من خلال الحوارات والنقاشات التي تدور حول الأعمال الفنية وتمنح الفنانين فرصة للتعبير عن أنفسهم
زبدة القول إن الفن والثقافة في المغرب ليسا مجرد رفاهية بل هما أساس قوي للتنمية الحقيقية والتقدم الاجتماعي يجب أن نعترف بأن الفن المحلي هو جزء لا يتجزأ من هوية هذا البلد من خلال دعم فناني المغرب نستطيع أن نعيد للأجيال الجديدة الإيمان بقوة الفن في تحويل المجتمعات وبناء هوية ثقافية تليق بمغربنا على شبابنا أن يتعلموا كيف يدعمون إبداعاتهم المحلية ويحتفلون بها كما يفعلون مع الفن العالمي لن نصل إلى التنمية المستدامة إلا إذا جعلنا الفن جزءًا من حياتنا اليومية وعاملًا من عوامل التغيير والتقدم المغرب غنيٌ بفنونه وشبابه وبهم سنبني مستقبلًا مشرقًا لأمتنا
إضافة إلى ذلك، يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا رئيسيًا في تسهيل عملية دعم الفنانين المحليين من خلال تنظيم الفعاليات الثقافية والمعارض الفنية التي تتيح للناس فرصة للتعرف على المواهب المحلية والاعتراف بها كما ينبغي للحكومة أن تضع سياسات تشجع على الاستثمار في القطاع الثقافي من خلال تقديم الحوافز للمبدعين المحليين وتسهيل وصولهم إلى المنصات العالمية التي تمنحهم فرصة للظهور في محافل دولية إضافة إلى أن الصناعات الثقافية والفنية تساهم في تنمية الاقتصاد الوطني بشكل غير مباشر من خلال توفير فرص العمل وزيادة السياحة الثقافية وبالتالي فإن تعزيز الفن المحلي يعود بالنفع على المجتمع ككل
إن الفنون لا تعكس فقط ثقافة المجتمعات بل تحمل أيضًا رسالة إنسانية شاملة تقدم حلولًا وتطرح قضايا حيوية تهم الجميع سواء على الصعيد الاجتماعي أو النفسي. من خلال المسرحيات، الأغاني، اللوحات الفنية، والأفلام يستطيع الفنان أن يعبر عن همومه وطموحاته ومشاعره تجاه المجتمع. لكن هذا لا يكتمل دون وجود جمهور واعٍ شغوف بالفن، يدرك قيمة المبدعين في مجتمعه ويقدر جهودهم. الجمهور يجب أن يتحمل مسؤولية كبيرة في احتضان الفنان المحلي ودعمه عبر وسائل مختلفة مثل شراء التذاكر حضور العروض والتفاعل مع الفنانين في وسائل التواصل الاجتماعي
من جهة أخرى لا يمكن إغفال دور وسائل الإعلام في تقديم الفن المحلي إلى أوسع جمهور ممكن وتحقيق التفاعل المطلوب. كما أن المجلات الثقافية، والقنوات التلفزيونية، ووسائل الإعلام الرقمية، يجب أن تكرس مزيدًا من الاهتمام للفن المحلي وتقديمه بشكل متجدد ومواكب للتطورات التكنولوجية. هذا سيسهم في زيادة الوعي الثقافي لدى الجمهور ويعزز الانفتاح على مختلف الأشكال الفنية التي يتم إنتاجها محليًا
لقد كان الفن دائمًا مرآةً للمجتمعات وها هو اليوم يقف أمام تحديات جديدة، منها التأثيرات العالمية الهائلة التي تحيط به. لكن رغم كل ذلك، فإن الفن المحلي لديه القدرة على الصمود والازدهار إذا تم دعمه وتوفير البيئة المناسبة له. علينا أن نحتفل به ونعمل على نشره في كل أرجاء المجتمع؛ من المدارس إلى الأماكن العامة ومن المعارض إلى المهرجانات. فنانونا المحليون لا يقلون إبداعًا عن أي فنان عالمي، بل إنهم يعكسون واقعنا ويحملون أصواتنا في كل عمل يقدمونه
أخيرًا على الجميع من فنانين وصناع سياسة وجمهور أن يتحدوا في سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل وهو جعل الفن والثقافة جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية لأننا بذلك نساهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتقديرًا، وإبداعًا، مما سيعود علينا بالنفع على المدى البعيد
إلى الفنانين المغاربة نقول: لا تيأسوا فصوتكم مسموع وأعمالكم تُشعرنا بهويتنا وتاريخنا، وأنتم من تحملون أمل الفن والتقدم في المغرب

