بقلم: سعيد ودغيرى حسنى
منذ سنوات
لم تعد فجيج تشتكي في الهامش
بل خرجت إلى الضوء
إلى الكاميرات
إلى الإعلام الدولي
بسبب شيء واحد
الماء
المفارقة أن واحةً تاريخها الماء
أُجبرت على أن تحتج من أجله
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية
1) من أزمة محلية إلى قضية عالمية
ما عُرف بـحراك الماء في فجيج
لم يكن نزوة احتجاج
ولا صرخة موسمية
بل ردّ فعل جماعي على اختلال عميق
مسّ حقًا أساسياً من حقوق العيش
تفويت تدبير الماء
ارتفاع الفواتير
غياب الشفافية
والإحساس بأن موردًا جماعيًا
انتُزع من أهله باسم التحديث
هنا تحوّل الماء
من عنصر طبيعي
إلى رمز للسيادة المحلية
وللكرامة
2) خروج النساء: لحظة فارقة
اللحظة التي غيّرت كل شيء
كانت خروج نساء فجيج بلباسهن التقليدي
في مشهد هادئ
لكنّه زلزال رمزي
لم يكن الخروج صاخبًا
ولا عدوانيًا
كان أشبه بطقس تاريخي
الملحفة
الوشاح
الخطوة الواثقة
والصمت الذي يقول كل شيء
النساء لم يخرجن فقط للمطالبة بالماء
بل للدفاع عن:
الذاكرة
الأرض
حق الأجيال القادمة
وهنا التقط العالم الصورة
لأنها صادقة
غير مصطنعة
وتحمل لغة كونية
لغة الأم حين تدافع عن بيتها
3) لماذا لامس حراك فجيج الضمير العالمي؟
لثلاثة أسباب واضحة:
- بساطة المطلب
الماء ليس ترفًا
بل حقًا إنسانيًا - قوة الرمز
نساء بلباس تقليدي
يدافعن عن مورد طبيعي
في زمن الخصخصة - نضج الاحتجاج
لا تخريب
لا فوضى
بل وعي جماعي
ورسالة واضحة
هكذا تحولت فجيج
من واحة منسية
إلى نموذج يُدرّس
في حركات الدفاع عن الموارد الطبيعية
4) الجَدب الحقيقي: أزمة حكامة
الجفاف المناخي واقع
لكن الأخطر
هو الجفاف السياسي
حين يُتخذ القرار دون إشراك الساكنة
حين يُختزل الماء في منطق الربح
حين يُتعامل مع الواحة
كأنها رقم في صفقة
فهنا يولد الصدام
لا لأن الناس ضد التنمية
بل لأنهم ضد الإقصاء
5) مقترحات موسعة للحل
أولًا: في تدبير الماء
مراجعة شاملة لنموذج التدبير المفوّض
إشراك ممثلي الساكنة في القرار
اعتماد تسعيرة اجتماعية تراعي خصوصية الواحات
ثانيًا: في الحكامة المحلية
تقوية دور الجماعات المحلية
الشفافية الكاملة في العقود
فتح نقاش عمومي دائم حول الموارد الطبيعية
ثالثًا: في البعد الثقافي
الاعتراف بحراك فجيج كتراث نضالي معاصر
توثيق مشاركة النساء ودورها الرمزي
إدماج هذا التاريخ في الذاكرة الوطنية
رابعًا: في التنمية المستدامة
ربط أي مشروع مائي بحماية الواحة
دعم البحث العلمي حول الفرشة المائية
الاستثمار في حلول بيئية لا استنزافية
الخلاصة
فجيج لم تطلب أكثر من حقها
لكنها أعطت درسًا للعالم
قالت إن الماء
ليس سلعة
وإن المرأة
ليست هامشًا
وإن الواحة
ليست ماضيًا منتهيًا
بل مستقبلًا إذا أُحسن الإصغاء إليه
فجيج بين الشِّدب والجَدب
لكنها ثابتة
كأنها تقول بهدوء:
نحن هنا
وسنبقى
ما دام في الأرض ماء
وفي الذاكرة نبض.
16/9/2025

