كتب / عبد الكريم مومن
في عالم تذوب فيه الحدود المعرفية، أصبح من السهل أن نقرأ كتابا لطبيب ياباني، أو نطبق نظرية إدارية أمريكية، أو نقلد نموذجا اقتصاديا أوروبيا، أو ننبهر بتجربة تعليمية فنلندية، ثم نقرر بكل بساطة: هذا ما نحتاجه تماما.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدا.
فعندما أرسل لي صديق تلخيصا عن كتاب هيديكي وادا الياباني، قلت له: ماذا تعرف عن هذا الطبيب النفسي؟ وماذا تعرف عن الثقافة والبيئة التي تشبع بها؟ أجابني أنه أعجب بأفكاره فقط، فقلت له من الخطأ أن تقرأ الكتاب من العنوان، وحتى المحتوى ولاتعرف كيف بنيت الأفكار ووقودها، فلا يمكن أن تضع الغازوال في محرك بنزين وتقول لي بأنه الغازوال إقتصادي وحرك محرك شاحنة بفعالية.
ليست كل فكرة ناجحة في بلد ما قابلة للنجاح بنفس الشكل في بلد آخر، لأن الأفكار لا تعيش في الفراغ، بل تنمو داخل بيئة كاملة من الثقافة، والسلوك، والمناخ، والدين، والعادات، والاقتصاد، والبنية الاجتماعية.
المشكلة ليست في الفكرة نفسها
بل في وهم النسخ واللصق.
البيئة ليست خلفية، بل هي أصل النتيجة
عندما يكتب الطبيب الياباني هيديكي وادا في كتابه عن الشيخوخة المريحة ويدعو إلى التحرر من القيود الطبية الصارمة تحت شعار:
كل ما تشتهي، وعش كما تحب
فهو لا يتحدث من فراغ.
هو يتحدث من داخل مجتمع يأكل فيه الإنسان منذ طفولته:
سمكا أكثر من اللحوم المصنعة
أرزا بسيطا بدل الوجبات فائقة المعالجة
خضروات موسمية بدل السكريات الصناعية
حصصا صغيرة بدل ثقافة الإفراط
بمعنى آخر:
حتى الحرية هناك محكومة بثقافة منضبطة أصلا.
أما حين تنقل هذه النصيحة حرفيا إلى بيئة يغزوها السكر الخفي، والدهون المتحولة، والوجبات السريعة، فإن عبارة كل ما تشتهي قد تتحول من فلسفة صحية إلى وصفة انتحار بطيء.
هنا نفهم أن النصيحة لا تنسخ، بل تترجم.
في التعليم: ليست كل مدرسة فنلندية تصلح للجميع
كثيرون انبهروا بتجربة التعليم في فنلندا:
تقليل الواجبات المنزلية، تقليل الامتحانات، منح الطفل مساحة حرية أكبر.
فظن البعض أن مجرد تقليد الشكل سيصنع نفس النتائج.
لكنهم نسوا أن الطالب الفنلندي يعيش في:
نظام اجتماعي مستقر
احترام عال للمؤسسات
أسرة داعمة
بيئة لا تعاني من فوضى تعليمية مزمنة
فإذا نقلت الحرية التعليمية إلى بيئة تفتقد الانضباط الأساسي، فقد تتحول الحرية إلى فوضى لا إلى إبداع.
المدرسة ليست مجرد سبورة بل انعكاس لمجتمع كامل.
في الاقتصاد: لا تزرع شجرة استوائية في صحراء.
كم من الدول حاولت نسخ نموذج سنغفورة وكوريا الجنوبية واليابان وفنلندا دون فهم الجذور الحقيقية لنجاحها؟
يرون المصانع والناطحات والرقمنة ولا يرون:
الانضباط الاجتماعي
احترام الوقت
ثقافة العمل الجماعي
محاربة الفساد
الاستثمار الطويل في الإنسان
يريدون النتيجة دون بناء الشروط.
وهذا مثل من يريد حصاد القمح دون حرث الأرض.
لا يمكنك استيراد النموذج الاقتصادي دون استيراد عقلية الإنتاج.
في العلاقات الاجتماعية: الغرب ليس مرآة الجميع
حتى في العلاقات الإنسانية، يقع كثيرون في فخ النقل الأعمى.
يرون نموذج الفردانية الغربية:
الاستقلال الكامل، الانفصال المبكر عن الأسرة، تقليل الاعتماد العاطفي.
ثم يحاولون نسخه داخل مجتمعات تقوم أساسا على الأسرة الممتدة، والدعم الجماعي، والروابط العائلية.
النتيجة؟
وحدة نفسية مغطاة بشعار الحداثة.
ليست كل حرية صحية، وليست كل تقاليد عبئا.
بعض ما نسميه تخلفا قد يكون في الحقيقة نظام حماية اجتماعية غير مرئي.
في الأعمال: المنتج لا يباع بنفس الطريقة في كل مكان
شركة مشروبات عالمية مثلا، لا تبيع نفس الرسالة في كل بلد.
هي لا تبيع المشروب فقط
بل تبيع شعورا يناسب البيئة المحلية.
في بلد تربط فيه العائلة بالمائدة الجماعية، تسوق عبر العائلة.
وفي بلد تغلب عليه الفردانية، تسوق عبر الحرية الشخصية.
وفي مجتمع شبابي، تباع عبر الطاقة والهوية.
المنتج واحد لكن اللغة النفسية مختلفة.
وهذا هو الذكاء الحقيقي:
فهم الإنسان قبل بيع الشيء.
في الدين والفكر: الحكمة تحتاج فقه الواقع
حتى النصوص الفكرية والدينية لا تُفهم خارج السياق.
كثير من الناس يأخذون فكرة من كتاب أو مقطع أو مقولة وينزلونها على واقع مختلف تماما، فينتج التشدد أو الفوضى.
الحكمة ليست في حفظ النص بل في معرفة:
أين يطبق؟
ومتى؟
ولمن؟
وبأي ظرف؟
الفقه الحقيقي ليس جمع الأقوال
بل فهم الواقع.
الروابط الاجتماعية: الدواء الذي لا يباع في الصيدلية
الطبيب الياباني لا يصف فقط نظاما غذائيا، بل يتحدث من داخل مجتمع لا يزال يحتفظ بجذور العلاقات الاجتماعية.
الشيخوخة هناك ليست دائما عزلة،
بل جزء من شبكة احترام اجتماعي وروابط يومية.
أما في بيئات تسيطر عليها الوحدة والفردانية القاسية، فإن تطبيق نفس النصائح الصحية دون معالجة العزلة النفسية يشبه إعطاء دواء للجسد وترك الروح تنزف.
بعض الأمراض لا تعالج بالحبة،بل بالمائدة المشتركة، والجار،
والصديق، والعائلة، فلو طلبت من مغربي أن يأكل من طبق خاص به لتفادي نقل العدوى، فهنا تحل مشكل صحة جسمية وتخلق مشكل صحة عقلية.
القاعدة الذهبية: لا تسأل ماذا نجح؟ بل لماذا نجح؟
هذا هو السؤال العبقري.
ليس المهم أن تعرف أن اليابان نجحت، بل لماذا نجحت؟
ليس المهم أن تعرف أن فنلندا تفوقت، بل ما التربة التي سمحت بذلك؟
ليس المهم أن تقلد الطبيب، بل أن تفهم البيئة التي صنعت منطقه.
هنا عليك قبل أن تستورد الفكرة، أن تفحص التربة
الأفكار مثل البذور.
قد تكون ممتازة، لكن البذرة نفسها لا تعطي نفس الثمرة في كل أرض.
قد تزهر في طوكيو،
وتذبل في الدار البيضاء،
وتحتاج شكلا آخر في القاهرة أو الرياض أو نيويورك.
النجاح ليس في الاستيراد بل في التهجين الذكي هو أن:
أ- تأخذ الفكرة.
ب- تفككها.
ج- تفهم روحها.
ثم تعيد بناءها بما يناسب تربتك أنت.
فليس كل ما يزهر في مكان، يثمر في مكان آخر بنفس الطريقة.
قبل النقل، أدرس البيئة.
قبل التقليد، إفهم الإنسان.
وقبل الإعجاب إسئل: هل هذه الشجرة تصلح فعلا لحديقتي؟

