Le212news.ma
يعيش المغرب، وهو يحتضن كأس أمم إفريقيا 2025، لحظة رياضية إفريقية بامتياز، لحظةتتجاوز حدود المنافسة الكروية لتلامس أبعادًا رمزية عميقة مرتبطة بصورة البلد، وقدرتهالتنظيمية، ومكانته داخل محيطه القاري.
غير أن هذا العرس الإفريقي لم يمر دون أن ترافقه محاولات تشويش إعلامي رقمي، قادتهاحسابات ومنصات على شبكات التواصل الاجتماعي، من بينها بعض اليوتوبورات المحسوبينعلى البلد الجار،الجزائر، والذين اختاروا، لاعتبارات مختلفة، توظيف الحدث الرياضي في اتجاهالإساءة بدل التقارب.
ان قراءة على خلفية مقاربة سوسيو -إعلامية، تحيل إلى أنه لا يمكن قراءة ما جرى خارج منطقصراع السرديات. فبموازاة الصور الإيجابية التي بثّتها مختلف وسائل الإعلام الدولية عن جاهزيةالمغرب، انتشرت على منصات رقمية مقاطع وفيديوهات تروّج لمغالطات واضحة منها فيديوهات قديمة أو من دول أخرى قدمت على أنها توثق لاختلالات في التنظيم ، هناك أيضاح من يقوم بتضخيم حوادث معزولة أو فردية، وعرضها وكأنها ظاهرة عامة ،كما تعج حسابات أخرى بتعليقات وخطابات مشحونة بالكراهية، خرجت أحيانا عن كل ضوابط الأخلاق الرياضية،ولامست أفعالا مشينة تمس بصورة المغرب وشعبه، ولا تخدم لا الرياضة ولا قيم الأخوةالمغاربية.
هذه المضامين، التي راجت خصوصا عبر بعض قنوات “اليوتيوب” وحسابات على “إكس” و“فيسبوك”، لم تكن بريئة في كثير من الأحيان، بل تسعى إلى خلق انطباع سلبي لدى الرأي العامالإفريقي والدولي، في لحظة كان من المفترض أن تكون عنوانًا للوحدة والتلاقي.
أمام هذا السيل من المغالطات، برز دور مغاربة شبكات التواصل الاجتماعي بشكل لافت ، حيث اختار أغلبهم أسلوب التفكيك بدل الانفعال، والتوضيح بدل السب.
تمت إعادة نشر الفيديوهات مع الإشارة إلى مصادرها الأصلية وتواريخها الحقيقية، وجرى شرحالسياق الذي أُخرجت منه بعض الصور، كما تم الاستشهاد بتقارير إعلامية دولية وشهاداتجماهير إفريقية حضرت إلى المغرب وعاينت الواقع عن قرب.
هذا السلوك يعكس تحولا مهما في علاقة المواطن بالإعلام حيث تحول المواطن المغربي منمتلقٍّ سلبي إلى فاعل رقمي واعٍ، يدرك أن المعلومة قد تكون سلاحًا، وأن الصمت أمام التضليلقد يُفهم كقبول به.
اللافت في هذه المرحلة أيضًا هو انخراط مغاربة العالم في هذه المعركة الرمزية. فبفضلحضورهم القوي في الفضاء الرقمي الدولي، تصدّوا للمغالطات المنشورة بلغات أجنبية،وقدموا رواية مضادة قائمة على التجربة والمعرفة، بعيدًا عن خطاب الاستفزاز أو التعميم. هكذاتحولت شبكات التواصل إلى فضاء مواطنة عابرة للحدود، تمارس فيه مسؤولية الدفاع عنصورة الوطن دون السقوط في منطق العداء للشعوب.
و يعتبر هذا الانخراط في الدفاع عن الوطن شكلًا متقدمًا من اليقظة السيبيرانية. إنها يقظة لاتنكر وجود اختلالات أو نقاشات مشروعة، لكنها ترفض التزييف المتعمّد، وتفرّق بوضوح بينالنقد البنّاء والإساءة المقصودة.
بهذا المعنى، فإن ما قام به المغاربة يندرج ضمن مفهوم حديث للمواطنة الصالحة، مواطنةتدافع عن الحقيقة، وتحمي الفضاء الرقمي من الانزلاق، دون أن تنجرّ إلى خطاب الكراهية أوالعداء للشعوب الشقيقة.
ان نجاح كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب لم يكن فقط اختبارا لوجستيا و تنظيميا ، بل يشكل أيضًا اختبارًا لوعي مجتمعه الرقمي. وقد نجح المغاربة، إلى حد كبير، في تحويل شبكاتالتواصل الاجتماعي من فضاء للتشويش إلى خط دفاع مواطني عن الحقيقة.
إنها رسالة واضحة مفادها أن العرس الرياضي الإفريقي أقوى من السرديات المغلوطة، وأن وعيالشعوب، حين يتحرّك، قادر على حماية القيم قبل الصور، والحقيقة قبل الضجيج.

