بقلم: أحمد أكلكيم
في مشهدٍ إعلامي عالمي يشهد تحولات عميقة بفعل الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصراع على السبق الصحفي وحده هو التحدي، بل باتت آليات التوزيع والاستهلاك نفسها موضع إعادة تشكيل. أحدث فصول هذا التحول تقوده شركة كوكل، التي نجحت في قلب موازين صناعة الأخبار عبر ما يُعرف اليوم بـ”النقرات الصفرية” — أي حين يحصل القارئ على المعلومة مباشرة من نتائج البحث، دون الحاجة إلى زيارة الموقع الإخباري الأصلي.
النتيجة؟ انخفاض صادم في عدد الزيارات نحو مواقع الأخبار، وتراجع في الإيرادات الإعلانية التي تُعد شريان الحياة للمؤسسات الصحفية الرقمية. وبينما يرى المستخدم في هذه الميزة تطوراً يسهل عليه الوصول إلى المعرفة، يرى الناشرون فيها ضربة قاصمة تهدد بقاءهم في سوق يتغير بسرعة تفوق قدرتهم على التكيّف.
كوكل اليوم لا تكتفي بعرض الروابط، بل تُنتج ملخصات جاهزة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، تُقدَّم في قمة نتائج البحث. هذه “الملخصات الذكية” تُجيب على أسئلة المستخدم، وتستعرض الوقائع والاتجاهات في بضعة أسطر، فتُغني القارئ عن زيارة المواقع الأصلية. غير أن هذا التطور التقني، وإن بدا بريئاً، يسلب الصحافة الرقمية وظيفتها الأساسية: بناء العلاقة مع القارئ، ونقل الخبر في سياقه، وتقديم وجهة نظر مسؤولة ومتحقَّق منها.
لقد أفرزت هذه الظاهرة واقعاً جديداً، يمكن وصفه بـ”التحوّل من القراءة إلى التلقي الآلي”، حيث أصبح المستخدم يستهلك المعلومة في شكلها الخام، دون المرور عبر التجربة التحريرية التي تمنحها روحها ومعناها. النتيجة ليست فقط تراجعاً في نسب المشاهدة، بل إضعافاً للوعي الإعلامي الجمعي، حين يُستبدل الصحفي بالمُلخص الآلي.
اقتصادياً، يعيش الناشرون اليوم أزمة ثقة في جدوى الاستثمار في المحتوى الأصلي. فكيف يمكن لجريدة أو موقع أن يستمر في إنتاج تحقيقات وتحليلات مكلفة، بينما تستفيد المنصات الكبرى من هذا الجهد دون مقابل؟ لذلك، بدأت بعض المؤسسات تبحث عن بدائل مثل الاشتراكات المدفوعة أو الشراكات التحريرية أو إنتاج محتوى تحليلي متخصّص يصعب على الذكاء الاصطناعي تلخيصه.
لكن المواجهة لا يجب أن تكون صدامية. فربما حان الوقت للصحافة لتعيد التفكير في علاقتها بالجمهور: لا بوصفه مستهلكاً عابراً، بل شريكاً في إنتاج المعنى. إن بناء الثقة، وتقديم سردية متوازنة، وتفسير الأحداث في عمقها — هي المساحات التي لا يمكن أن تغزوها الخوارزميات مهما بلغت قوتها.
في النهاية، ما تفعله كوكل اليوم ليس مجرّد ابتكار تقني، بل تحول ثقافي يفرض على الإعلام إعادة صياغة دوره ومكانته. فالذكاء الاصطناعي قد يقدّم المعلومة، لكنه لا يستطيع أن يمنحها القيمة الإنسانية التي تصنعها الصحافة حين تكتب بضمير ووعي ومسؤولية.
ربما المستقبل لن يكون للأسرع أو الأكبر، بل للأذكى والأصدق في التواصل مع الإنسان قبل الآلة.

