.نيويورك / عبد الكريم مومن
عندما ننظر إلى الناجحين في التجارة والصناعة والرياضة، نرتكب خطأ شائعا: نرى التاج ولا نرى البثور في الأقدام. نرى القصور والشركات العملاقة والكؤوس، لكننا لا نرى سنوات الألم، والفشل، والشك، والتضحيات التي سبقت تلك اللحظة.
النجاح الحقيقي لا يبدأ بالنتيجة، بل بالفكرة، ومن الفكرة تولد العقيدة، ومن العقيدة تبنى المنظومة، ومن المنظومة تأتي النتائج.
هذه القاعدة تنطبق على مصنع كما تنطبق على شركة تكنولوجيا، وتنطبق على منتخب كرة قدم كما تنطبق على دولة كاملة. من يطارد النتيجة فقط قد يحقق نجاحا سريعا، لكنه غالبا نجاح مؤقت، أما من يبني منظومة قائمة على فكرة واضحة، فإنه يصنع شيئا قادرا على الاستمرار لأبعد وقت ممكن.
لهذا السبب، فإن أعظم رجال الأعمال في التاريخ لم تكن نقطة انطلاقهم هي المال.
هنري فورد لم يبدأ مشروعه وهو يحلم بأن يصبح من أغنى رجال العالم. كانت فكرته الأساسية هي جعل السيارة متاحة للإنسان العادي، وتحويلها من منتج خاص بالأثرياء إلى وسيلة نقل يمكن للعامل البسيط امتلاكها. واجه صعوبات، وفشل في تجارب أولى، وخسر مستثمرين، لكنه تمسك بالفكرة حتى غير صناعة كاملة عبر خطوط الإنتاج الحديثة.
توماس إديسون لم يعرف لأنه لم يفشل، بل لأنه رفض اعتبار الفشل نهاية الطريق. آلاف التجارب لم تكن بالنسبة له هزائم، بل معلومات تقربه من الحل. لم يكن يبحث فقط عن اختراع، بل عن تغيير طريقة حياة البشر.
وفي المقابل، قصة نيكولا تسلا تذكرنا بأن طريق الابتكار ليس دائما عادلا، فقد قدم أفكارا علمية عظيمة، خصوصا في مجال التيار المتناوب، لكنه عاش صراعات مالية وتجارية ولم يحصل في حياته على التقدير الذي حصل عليه لاحقا. التاريخ أحيانا يعطي المجد لمن يملك القدرة على تحويل الفكرة إلى منظومة، وليس دائما لمن كانت لديه الفكرة الأولى.
بيل غيتس لم يبدأ مشروعه وهو يعرف أنه سيصبح مليارديرا. كان يؤمن بأن الحاسوب الشخصي سيصبح جزءا من حياة كل إنسان. ركز على البرمجيات وبناء نظام يمكن أن ينتشر في كل العالم، فجاءت الثروة كنتيجة طبيعية لقيمة الفكرة.
ستيف جوبز عاش تجربة قاسية عندما خرج من الشركة التي أسسها بنفسه من مرآب بالمنزل. كان ذلك بالنسبة للكثيرين نهاية الحلم، لكنه حول الإقصاء إلى فرصة لإعادة البناء. عاد لاحقا ليقود مرحلة غيرت شكل التكنولوجيا، لأن القوة لم تكن في المنصب، بل في الرؤية.
جيف بيزوس ترك وظيفة مستقرة ليبدأ مشروعا صغيرا لبيع الكتب عبر الإنترنت. في بدايات أمازون، كان كثيرون يرون أن الشركة تنفق كثيرا ولا تحقق أرباحا كافية. لكنه كان يرى أبعد من الربح السريع، كان يبني بنية تحتية للتجارة الإلكترونية. وبعد سنوات أصبحت الفكرة التي سخر منها البعض واحدة من أكبر شركات العالم.
مارك زوكربيرغ واجه منذ البداية صعوبات ونزاعات قانونية وانتقادات، لكنه ركز على بناء منصة تربط الناس ببعضهم. توسعت الفكرة، وأصبحت جزءا من طريقة تواصل مليارات البشر.
جاك ما، مؤسس علي بابا، يمثل نموذجا واضحا للصبر. فشل في اختبارات عدة، ورفض في وظائف كثيرة، وحتى عندما حاول الدخول إلى عالم الإنترنت لم يكن الطريق سهلا. لكنه آمن بأن التجارة الإلكترونية يمكن أن تفتح أبواب الأسواق أمام الشركات الصغيرة، فبنى مشروعا أصبح من أكبر المنصات التجارية في العالم.
أما إيلون ماسك، فقصة صعوده تلخص معنى الإصرار. لم يبدأ من قمة الهرم، بل من بدايات صعبة مليئة بالمخاطر. في شبابه عمل على تعلم البرمجة، ثم أسس مع أخيه كيمبال أولى شركاته في ظروف متواضعة، وعاش سنوات كان يعمل فيها لساعات طويلة جدا، وينام قليلا، ويضع معظم ما يملك في مشاريعه.
لم يكن طريقه سهلا ولا مفروشا بالورود دون أشواك، فقد واجه انتقادات شديدة، وخسائر مالية ضخمة، وكادت شركاته تنهار في فترات حرجة. في مرحلة معينة كانت تسلا وسبيس إكس تواجهان أزمات جعلت مستقبل المشروعين غير مضمون. لكنه اختار المخاطرة والاستمرار لأنه كان يؤمن بالفكرة: تطوير النقل الكهربائي، واستكشاف الفضاء، ودفع التكنولوجيا إلى حدود جديدة.
حتى حياته الشخصية لم تكن خالية من الصعوبات، فقد تحدث عن طفولة صعبة وعن علاقات أسرية معقدة، وعن مراحل شعر فيها بالعزلة والضغط. لكن ما جعله يستمر لم يكن الرغبة في المال فقط، بل الإيمان بأن أفكاره يمكن أن تغير المستقبل.
اليوم ينظر الناس إلى ثروته، لكنهم لا يرون السنوات التي قضاها في العمل تحت الضغط، ولا القرارات الصعبة، ولا لحظات احتمال الفشل الكامل، لذلك هو قاس جدا وفظ بالتعامل، لكن أسلوبه إبن البيئة التي تعايش معها ونجح.
وهنا يظهر القانون نفسه في الرياضة.
المنتخب الذي يبحث عن الفوز في المباراة القادمة فقط قد ينجح أحيانا، لكنه لن يصنع مدرسة. أما المنتخب الذي يبني عقيدة كروية واضحة، ويستثمر في التكوين، ويصبر على التطوير، فإنه يصنع أجيالا.
فرنسا لم تصبح قوة عالمية لأنها امتلكت لاعبين موهوبين فقط. لقد بنت منظومة تكوين لعقود، فمنذ 1988 سنة إنشاء أكاديمية كلير فونطين وهي تحاول وتحاول، واستثمرت في مراكز التدريب، وصبرت حتى بدأت النتائج تظهر. ديدييه ديشامب نفسه استفاد من أكثر من عقد من العمل مع المنتخب منذ 14 سنة، حيث أصبحت فلسفته وسلوكيات لاعبيه جزءا من ثقافة الفريق.
ألمانيا بعد إخفاقاتها لم تبحث عن حل سريع، بل أعادت بناء كرة القدم من الجذور، وبعد عدة محاولات أسقطت البرازيل من عرشها، وتغلبت على الأرجنتين بميسي سنة 2014، وميسي نفسه حاول وحاول حتى إبتسم له الحظ في 2022، وأمام فرنسا التي تحسرت مرارا على اللقب، إسبانيا لم تصل إلى هيمنتها العالمية في سنوات قليلة، بل بعد عقود من تطوير فلسفة التكوين والاستحواذ.
السر دائما هو: أسقط وأنهض وأحاول السير من جديد، هكذا هي الأمم العظمى، بريطانيا التي كانت إمبراطورية لاتغيب عنها الشمس، أدلها هتلر ومن شدة الأزمة كانت تفرق بيضة واحدة فقط كوجبة لكل مواطن يوميا، وبالإصرار تغلبت وعاودت النهوض والإستمرار.
والمغرب اليوم يعيش مرحلة مشابهة من حيث بناء الأساس. أكاديمية محمد السادس، وتطور المنتخبات السنية، وارتفاع عدد اللاعبين المغاربة في أكبر الدوريات، كلها عناصر تشير إلى أن المشروع أكبر من مباراة واحدة.
وهنا نفهم أن تغيير أسلوب اللعب يحتاج إلى وقت. المدرب الذي يريد بناء فريق يعتمد على الضغط العالي والسرعة في التحول لا يغير فقط الخطة، بل يغير ردود الفعل والعادات الذهنية للاعبين، ورغم ذلك عليك بالمزيد من الإبتكار لمواكبة التطور.
كما أن المصنع لا ينتج منتجا جديدا بجودة عالية في أول يوم، وكما أن الشركة لا تصبح عملاقة في سنة، فإن المنتخب لا يغير هويته الكروية في أشهر قليلة.
الفشل ليس عكس النجاح، بل أحد مراحله. كل مشروع كبير مر بفترات شك، وخسائر، وانتقادات. الفرق بين من يصل ومن يتوقف هو القدرة على التعلم والاستمرار.
لذلك، عندما نتحدث عن الشركات الكبرى أو المنتخبات الكبرى، لا يجب أن نسأل فقط: كم مرة فازوا؟
بل يجب أن نسأل: ماذا بنوا؟
لأن المال، والألقاب، والشهرة ليست البداية، بل هي الثمار.
أما الجذر الحقيقي فهو الفكرة.
ومن يملك فكرة عظيمة، ويحولها إلى عقيدة، ويبني حولها منظومة، ويصبر على سنوات العمل والألم، فإنه في النهاية يحصد ما زرعه.
فالنجاح لا يأتي لمن يطارد الجائزة فقط، بل لمن يتحمل الطريق الذي يجعل الجائزة تأتي كمكافأة تلقائية.
السؤال: هل نحن الآن نستحق كأس العالم للكبار؟
بالنسبة لي، ليس بعد، لأننا لم نصل بعد مرحلة النضج الكامل، لازلنا نلتمس رأي الآخرين، لكن في اللحظة التي نستغني فيها عن ( ما رأي الآخرين فينا؟ ولا نتأثر برأيهم ) هنا نكون قد وصلنا للنضج وأصبحنا نركز في ( هل نحن مقتنعون بما نفعل؟). هنا نكون قد ربحنا الكأس والجائزة حتى دون أن نحتاج لطرف تالث ليعترف بقوتنا.

