نيويورك / عبد الكريم مومن
التفسير السياسي للثروة…
مفهوم الناتج المحلي الإجمالي (GDP) هو أداة اقتصادية لتقييم الثروة، ولكنه لا يعكس بشكل كامل توزيع هذه الثروة أو جودة الحياة. تقريرنا سيتعمق في هذه النقاط، مستندًا إلى أرقام وتحليلات.
الناتج المحلي الإجمالي: أداة أم غاية؟
الناتج المحلي الإجمالي هو القيمة النقدية لجميع السلع والخدمات النهائية المنتجة في بلد ما خلال فترة زمنية محددة. تستخدمه البنوك الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (IMF)، ووكالات التصنيف الائتماني مثل S&P Global Ratings و Moody’s لتقييم الأداء الاقتصادي ومخاطر الاستثمار.
ومع ذلك، يرى العديد من الاقتصاديين أن الاعتماد المفرط عليه كمعيار وحيد للتقدم هو خطأ منهجي. الناتج المحلي الإجمالي يغفل العديد من العوامل الحاسمة مثل:
توزيع الثروة: ينمو الناتج المحلي الإجمالي حتى لو كانت الأرباح تتركز في أيدي فئة قليلة، مما يزيد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
جودة الحياة: لا يأخذ في الاعتبار جودة الهواء، أو الصحة العامة، أو الرعاية التعليمية.
العمل غير المدفوع: لا يشمل العمل المنزلي أو التطوعي، وهي أنشطة أساسية للمجتمع.
الثروة في يد من؟
تظهر تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن التفاوت في الدخل والثروة قد ازداد في معظم الدول الأعضاء خلال العقود الأخيرة. على سبيل المثال، يمتلك أغنى 1% من سكان العالم حوالي نصف الثروة العالمية، بينما يمتلك النصف الأفقر أقل من 1%. هذا التفاوت الصارخ يلقي بظلاله على فكرة الرخاء التي قد يوحي بها ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
جودة الحياة والخدمات العامة
يختلف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عن مستوى معيشته. يمكن لدولة أن تحقق نمواً مرتفعاً في الناتج المحلي، لكن في نفس الوقت تعاني من تدهور في الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم.
الصحة: تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن الإنفاق على الصحة يختلف بشكل كبير، وهذا يؤثر على متوسط العمر المتوقع ومعدلات الوفيات.
التعليم: في تقارير برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA)، لا تتطابق دائمًا الدول ذات الناتج المحلي الإجمالي المرتفع مع الدول التي لديها أفضل النتائج التعليمية.
الخلاصة: ما بعد الناتج المحلي الإجمالي
بناءً على الأرقام والشهادات، من الواضح أن الناتج المحلي الإجمالي هو مجرد جزء من الصورة. لتقييم صحة المجتمعات، يجب أن ننظر إلى مؤشرات أخرى مثل:
مؤشر جيني (Gini index) لقياس التفاوت في الدخل.
مؤشر التنمية البشرية (HDI) الذي يجمع بين التعليم والصحة والدخل.
مؤشرات السعادة والرفاهية التي تقيس الرضا عن الحياة.
هذه المؤشرات توفر رؤية أكثر شمولاً وتساعد في رسم سياسات اقتصادية تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة وشاملة بدلاً من الاكتفاء بالنمو الاقتصادي المجرد.
وإذا أسقطنا جنبا من هذا التحليل على الإقتصاد المغربي سوف نخرج ببعض البيانات القابلة للنقاش.
الفئات الأكثر إنتاجاً ومساهمة في الثروة
الطبقة الرأسمالية والمقاولون الكبار: هي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، حيث تسيطر على القطاعات الأكثر ربحية مثل:
الصناعة التحويلية: خاصة صناعة السيارات والطيران.
القطاع المالي: البنوك وشركات التأمين.
الزراعة التصديرية: الفلاحة الموجهة للتصدير.
الطبقة المتوسطة: تساهم في الاقتصاد بشكل أساسي من خلال الاستهلاك والعمل كأيدي عاملة ماهرة في القطاعين الخاص والعام.
هناك أيضا قطاع مهم للغاية وهو القطاع غير المهيكل في تقديم الخدمات، وخصوصاً دوره في عملية تصريف المنتجات وتسهيل وصولها إلى المستهلك.
فالقطاع غير المهيكل، على الرغم من عدم إحصاء مساهمته بشكل كامل في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه يشكل ركيزة كبيرة في تقديم خدمات حيوية، خاصة في مجال التوزيع.
توزيع الثروة والاستفادة منها
تُظهر البيانات أن الاستفادة من الثروة لا تتناسب دائمًا مع المساهمة في إنتاجها:
الفئة العليا: تستفيد بشكل كبير من الثروة المنتجة. أرباح الشركات وعوائد الاستثمارات تتركز في هذه الفئة.
الطبقة المتوسطة: تستفيد بشكل محدود، وتواجه تحديات مثل ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور القدرة الشرائية.
الطبقة الفقيرة والقطاع غير المهيكل: يستفيد أفراد هذه الفئة بشكل محدود للغاية، حيث يعانون من البطالة والأجور المنخفضة.
دور القطاع غير المهيكل في تقديم الخدمات
لا يقتصر دور القطاع غير المهيكل على الإنتاج فقط، بل يمتد إلى تقديم خدمات حيوية:
الباعة المتجولون: على سبيل المثال، يعملون كقناة توزيع أساسية. هم لا يبيعون السلع فقط، بل يقومون أيضًا بـ خدمة التوصيل، حيث يوصلون المنتجات من الأسواق المركزية إلى الأحياء السكنية والقرى النائية، مما يقلل من تكاليف النقل على المستهلك ويجعل المنتجات في متناول الجميع.
خدمات أخرى: يشمل هذا القطاع أيضًا الحرفيين والعمال غير المسجلين، الذين يقدمون خدمات الصيانة والإصلاح والبناء والنقل غير المرخص بأسعار مناسبة، مما يساهم في حركة الاقتصاد اليومية.
دور الجالية المغربية في الخارج
تُعد الجالية المغربية في الخارج مساهمًا أساسيًا في الاقتصاد.
تحويلات مالية قياسية: تعتبر تحويلات الجالية المغربية مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة.
الاستهلاك والنمو: تساهم هذه التحويلات في دعم الاستهلاك المحلي، مما يعزز النمو الاقتصادي ويساهم في استقرار الأسر.
الاستثمار: تستثمر الجالية المغربية في العقار والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يخلق فرص عمل ويساهم في تنمية الاقتصاد المحلي.

