بقلم : كاتبة من الظل
يشهد قطاع التعليم اليوم تحولات عميقة، لم تعد مرتبطة فقط بالمناهج أو الوسائل البيداغوجية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بتغيرات اجتماعية وثقافية تمسّ بنية الأسرة نفسها. وبصفتي فاعلة تربوية ومديرة مؤسسة تعليمية، أعاين يوميًا هذا التحول الذي جعل المدرسة تتحمل أدوارًا تتجاوز بكثير مهمتها الأصلية.
لقد أصبح من الواضح أن نجاح المنظومة التعليمية لا يمكن فصله عن دور الأسرة، وأن أي خلل في هذا التوازن ينعكس مباشرة على المتعلم، وعلى جودة التعلمات، وعلى مناخ القسم والمؤسسة ككل.
تراجع دور بعض الأسر: بين التفويض والتخلي
من أبرز الملاحظات التربوية اليوم، وجود فئة من الآباء الذين تراجع دورهم التربوي بشكل ملحوظ، إما عن وعي أو عن غير وعي. فبدل أن يكونوا شركاء حقيقيين في التربية، أصبح البعض ينظر إلى المدرسة باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن التكوين والتقويم والتأديب.
هناك آباء يتخلّون عن مسؤولياتهم التربوية اليومية، ويتركون أبناءهم دون تتبع جاد أو توجيه، ثم ينتظرون نتائج دراسية مرتفعة دون مجهود مواكب داخل البيت. وكأن النجاح يمكن أن يتحقق دون انضباط، ودون متابعة، ودون قدوة أسرية.
التربية بين الحزم والتفويض المفرط
وفي المقابل، هناك فئة أخرى من الآباء لم تعد تمارس دورها التوجيهي، بل أصبحت في حالة “تساهل مطلق” مع الأبناء. فبدل وضع حدود واضحة للسلوك والدراسة، يتم ترك الحرية الكاملة للمتعلم، حتى أصبح الابن هو من يقرر في كثير من الأحيان، والوالدان في موقع المتلقي والمنفذ.
هذا التحول الخطير جعل مفهوم التربية يتراجع لصالح مفهوم “إرضاء الطفل”، مما أدى إلى ضعف في الانضباط، وتراجع في احترام القواعد المدرسية، وصعوبة في ترسيخ قيم الجد والمثابرة.
تحميل المؤسسة التعليمية كل المسؤولية
من الظواهر المتزايدة كذلك، إلقاء اللوم بشكل كامل على المؤسسة التعليمية وعلى الأطر التربوية. فكل تعثر دراسي، أو سلوك غير منضبط، أو ضعف في النتائج، يتم تفسيره أحيانًا على أنه تقصير مدرسي فقط، دون الاعتراف بدور الأسرة في بناء شخصية المتعلم أو إضعافها.
إن المدرسة، مهما امتلكت من كفاءات وموارد، لا يمكنها أن تعوّض غياب التربية الأسرية أو ضعف المتابعة داخل البيت. فالتلميذ الذي لا يجد توجيهًا في بيئته الأولى، يصعب عليه الالتزام الكامل داخل القسم.
علاقة مضطربة بين الأسرة والمدرسة
لقد أصبحت العلاقة بين بعض الأسر والمدرسة علاقة توتر بدل أن تكون علاقة شراكة. فهناك من الآباء من لا يحضر الاجتماعات التربوية، أو يتأخر في التواصل، أو لا يتفاعل إلا عند ظهور مشكلة. وفي المقابل، هناك من ينتظر من المؤسسة أن تقوم بكل شيء: التعليم، التربية، المتابعة، والتقويم.
هذا الوضع يخلق فجوة خطيرة بين الطرفين، ويؤثر مباشرة على المتعلم الذي يعيش بين مرجعيتين غير متناسقتين.
استعادة التوازن ضرورة ملحة
إن إعادة الاعتبار للتربية الحقيقية يقتضي اليوم إعادة بناء الجسور بين الأسرة والمدرسة على أساس الشراكة والمسؤولية المشتركة. فالنجاح الدراسي ليس مسؤولية المؤسسة وحدها، كما أن التربية ليست واجبًا مدرسيًا فقط.
لابد من:
استرجاع دور الأسرة في المتابعة اليومية والتوجيه.
تعزيز ثقافة الانضباط داخل البيت كما داخل المدرسة.
ترسيخ مفهوم القدوة لدى الآباء قبل الأبناء.
إعادة الاعتبار للجد والاجتهاد بدل ثقافة التسيّب والتبرير.
خاتمة
إن المدرسة اليوم لا تعاني فقط من تحديات بيداغوجية، بل من تحولات اجتماعية عميقة. وإذا لم يتم إعادة التوازن بين دور الأسرة ودور المؤسسة التعليمية، فإننا سنستمر في تحميل المدرسة ما لا طاقة لها به، وسنُضعف جيلاً يحتاج إلى القدوة قبل المعرفة، وإلى التوجيه قبل التلقين.
فالتعليم مسؤولية مشتركة، وأي خلل في أحد أطرافها ينعكس على الجميع، وعلى مستقبل أبنائنا قبل أي شيء آخر.

