كتب / عبد الكريم مومن
هل النجاح صفة فردية أم نتيجة منظومة؟ وهل يقاس بالامتلاك أم بالتأثير؟ الإجابة الأقرب هي أن النجاح ليس نقطة واحدة بل شبكة أدوار متكاملة.
1- من هو الناجح: صاحب السلطة أم صاحب المال أم صانع القيمة؟
إذا نظرنا تاريخيا نجد أن المجتمعات لم تتقدم بفئة واحدة.
أ- صاحب السلطة
يرى الفيلسوف أفلاطون في فكرة الفيلسوف الحاكم أن السلطة تصبح ناجحة عندما ترتبط بالحكمة وليس بالقوة فقط.
لكن السلطة وحدها لا تصنع الحضارة، فهناك حكام امتلكوا القرار ولم يتركوا أثرا، وهناك آخرون صنعوا تحولات تاريخية.
السلطة هي أداة توجيه، لكنها تحتاج إلى معرفة واقتصاد ومجتمع منتج.
ب- صاحب المال
في الفكر الرأسمالي، المال ليس غاية فقط بل وسيلة لتحويل الأفكار إلى واقع. صاحب رأس المال الناجح ليس من يملك المال، بل من يعرف أين يضعه، الناجح هنا هو من لايضع المال كهدف، بل نتيجة حثمية للجهد، المال هنا يكون مكافئة العمل وليس هو العمل.
جوزيف شومبيتر اعتبر أن رائد الأعمال هو المحرك الأساسي للتنمية لأنه يقوم بالتدمير الخلاق: يهدم طرقا قديمة ويخلق طرقا جديدة.
لكن رائد الأعمال لا يعمل وحده.
ج- العامل والفريق والطبقة الوسطى
هنا تظهر فكرة علم الاجتماع: النجاح ظاهرة جماعية.
إميل دوركايم تحدث عن التضامن العضوي في المجتمعات الحديثة: الطبيب، المهندس، العامل، التقني، الموظف… كل واحد يؤدي وظيفة لا يمكن فصلها عن الأخرى.
فالعامل الذي يحول المادة الخام إلى منتج، والمهندس الذي يصمم، والمدير الذي ينظم، والمستهلك الذي يشتري، كلهم حلقات في سلسلة القيمة.
إذن السؤال ليس: من الناجح؟
بل: من يخلق قيمة داخل منظومة؟
2- هل العالم أهم أم العامل؟ الرجل أم المرأة أم الطفل؟
هذا يقودنا إلى مفهوم رأس المال البشري.
غاري بيكر طور فكرة أن الاستثمار الحقيقي للأمم هو الإنسان: التعليم، الصحة، المهارات.
العالم يكتشف، لكن العامل يطبق.
المهندس يصمم، لكن الفني ينفذ.
الأب والأم يبنيان الإنسان الذي سيكون عالما أو قائدا أو عاملا.
حتى الطفل ليس مجرد مستقبل، بل هو مشروع حضارة قادم ( الإستدامة).
الأمة الناجحة لا تسأل: من الأفضل؟ بل: كيف تجعل كل فرد يؤدي أفضل دور؟
3- ماذا يعني التركيز؟
هنا يوجد خلط كبير.
التركيز ليس معناه أن تعرف شيئا واحدا فقط.
هناك فرق بين:
التخصص الضيق
و الرؤية الواسعة مع تنفيذ مركز.
ستيف جوبز كان يقول إن الابتكار يأتي من ربط أشياء مختلفة. لم يكن مجرد مهندس، بل جمع بين التكنولوجيا والتصميم وعلم النفس.
إذن الناجح:
يفهم الصورة الكبيرة.
يختار مجالا محددا للتنفيذ.
لا يشتت طاقته في عشرات الاتجاهات.
مثل المستثمر الذكي: يدرس كل الأسواق، لكنه لا يستثمر في كل شيء.
4- هل الضغط على الآخرين لتبني فكرتك نجاح أم خطأ؟
هنا ندخل في علم النفس.
هناك فرق بين الإصرار و التعلق بالفكرة.
رائد الأعمال يحتاج إلى الإيمان بفكرته، لكن عليه أن يقبل احتمال أن تكون الفكرة غير ناضجة.
كارل بوبر تحدث عن مبدأ قابلية التكذيب: الفكرة العلمية أو العملية يجب أن تكون قابلة للاختبار والنقد.
الشخص الذي يرفض كل نقد قد لا يكون مركزا، بل أسيرا لفكرته.
التركيز الحقيقي ليس:
سأجبر العالم على قبول فكرتي.
بل: سأختبر فكرتي وأطورها حتى تصبح مقنعة.
فأنا عندما أرمي فكرة لشخص معين، فأنا لا أقول: ناجحة، بل أضعها بإختبار المعرفة لدى المتلقي أو المتلقين لصهرها، فهي مثل قطعة حديد خام لاتصبح ذات قيمة حتى تتشكل وفق التصميم الموافق لما ستعد له.
5- لماذا يعمل الدماغ أفضل تحت التحدي؟
هنا نحتاج إلى التوازن.
صحيح أن الدماغ يحتاج إلى تحديات. في علم النفس هناك مفهوم قريب من ذلك هو منطقة التدفق (Flow) التي درسها ميهالي تشيكسنتميهالي.
عندما يكون التحدي:
أكبر قليلا من قدراتك: تتطور.
أقل من قدراتك: تشعر بالملل.
أكبر بكثير من قدراتك: تشعر بالعجز والقلق.
دائما إختر العمل الذي تستطيع التحكم فيه لكي تتعلم من الأخطاء وتنمي فكرتك وتعدلها بإستمرار وتتطور بالتدريج، لأنك لن تتحكم فقط بالإنتاج، بل سوف تطور العلاقات مع المتدخلين وهذا هو الأهم.
إذن ليس الضغط بحد ذاته هو الذي يصنع النجاح، بل الضغط المناسب. هو مثل العضلات، بدون مقاومة لا تنمو. وبمقاومة مفرطة تتمزق.
لذلك نسمع، إفعل الشيء الذي تحبه لأنك سترتاح وتبدع ويصبح شغل وهواية.
6- التجربة التاريخية المرئية:
تويوتا كمثال، لم تنجح فقط بسبب الآلات، بل بسبب نظام كامل:
مهندسون.
عمال.
اقتراحات من الموظفين.
تحسين مستمر.
و آبل، لم يصنعها شخص واحد بل كان هناك:
رؤية.
مهندسون.
مصممون.
مصنعون.
شبكة توزيع.
الدول الناجحة ( وليس الفاضلة)، لم تبن بشخص واحد، بل بثقافة:
احترام العمل.
التعليم.
الانضباط.
التعاون بين الدولة والقطاع الخاص.
هنا يمكن تعريف الناجح بأنه ليس:
صاحب السلطة فقط.
صاحب المال فقط.
صاحب الفكرة فقط.
العامل فقط.
الناجح هو من يحول الإمكانات إلى قيمة.
وربما يمكن صياغتها هكذا:
القائد الناجح يوجه، المستثمر الناجح يخصص الموارد، العالم يكتشف، رائد الأعمال يغامر، العامل يحول الفكرة إلى واقع، والأسرة تبني الإنسان الذي سيكمل الدورة.
أما التركيز فهو ليس إغلاق العقل أمام العالم، بل اختيار معركة واحدة تستحق طاقتك، مع امتلاك رؤية تفهم كل المعارك حولها.
فالإنسان الناجح لا يعيش في منطقة الراحة، لكنه أيضا لا يعيش في فوضى الضغط يعيش في منطقة النمو.
من هنا نعود للتربية قبل التعليم، عندما تزور الدول المتقدمة، سوف تراها إستثمرت في بناء ثقافة وعقلية أولا، نأخد الطفل للشارع ليتعلم كيف يقف ويقطع الطريق بسلام، وكيف يقف بالطابور أو الصف، وكيف يناقش دون أن ينقض ويحتكر الكلام، كيف يبدأ مشروعا بإستعمال الألوان والأشكال والأرقام والحروف، كيف يتواصل ويبني فكرة، كيف يفشل ويستفيذ من الفشل للنجاح…. هنا يتعلم كيف ينفذ وينسق ويتعاون ويقوم بالجزء المنوط به… هكذا بالمستقبل سيكون لذيك شخص يعرف ماذا يريد وإلى أين يسير. بدون تربية أولا لن نذهب بعيدا أبدا في قصة النجاح.

