Le212news.ma
في لحظة إقليمية مشحونة، عاد مضيق هرمز إلى صدارة الأخبار، ليس فقط باعتباره ممراً مائياً استراتيجياً تعبر منه نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز العالمية، بل كمرآة تعكس صراع الروايات بين العواصم الكبرى، وتكشف في الآن ذاته قوة الفاعلين غير المرئيين في الاقتصاد العالمي، وعلى رأسهم شركات التأمين.
وسائل إعلام إيرانية نقلت تصريحات تفيد بأن إيران تسيطر على حركة الملاحة في المضيق، في رسالة سياسية مفادها أن طهران تمتلك أوراق ضغط استراتيجية في حال تصاعد المواجهة.
هذا الخطاب يندرج ضمن منطق الردع الرمزي: التأكيد على القدرة دون الإعلان الصريح عن إغلاق رسمي، لأن الإغلاق الفعلي يعني عملياً مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي، وليس فقط مع واشنطن.
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أنها دمرت القدرات البحرية الإيرانية، في خطاب معاكس يسعى إلى تثبيت صورة التفوق العسكري وضمان “حرية الملاحة”.
اللافت هنا أن الروايتين تتعايشان في الفضاء الإعلامي نفسه، دون أن يملك المتلقي أدوات تحقق فورية، ما يجعل المعركة في جزء كبير منها معركة صور وتصريحات أكثر منها معركة وقائع مثبتة.
من ناحية أخرى أفاد العديد من الخبراء أن تعطيل الحركة داخل مضيق هرمز لم يكن الرسائل الإلكترونية بحد ذاتها، بل قرار شركات التأمين الغربية إلغاء أو تعليق عقود التأمين الخاصة بناقلات النفط والغاز بصورة مفاجئة.
فالسفينة دون تأمين لا تستطيع الإبحار قانونيًا، وهو ما جعل قرار شركات التأمين بمثابة إغلاق فعلي، وأدى إلى تكدس الناقلات على جانبي الخليج، سواء الداخلة إليه أو الخارجة منه.
كما أن تلك الشركات ،حسب الخبراء ،لم تكتفِ برفع الأقساط بنسبة 50% أو 75% كما جرت العادة في أزمات سابقة، بل اتجه بعضها إلى الإلغاء الكامل، وهو إجراء غير مألوف في حوادث سابقة بالمنطقة.
بمعنى آخر ،حتى لو ظل المضيق مفتوحا من الناحية العسكرية، فإن توقف التأمين يحوله عمليا إلى ممر معطّل. فالسفن التجارية لا تتحرك دون غطاء تأميني، والبنوك لا تمول شحنات دون ضمانات، والأسواق لا تنتظر طويلاً قبل أن تعيد تسعير المخاطر.
في هذا السياق، أعلنت شركة قطر للطاقة حالة “القوة القاهرة” بعد وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال ومنتجات مرتبطة به، مثل اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم.
القرار، بحسب بيان الشركة، جاء في ظل ظروف جيوسياسية متصاعدة أثرت على حركة الشحن وسلاسل الإمداد وتكاليف الطاقة.إعلان “القوة القاهرة” ليس إجراءً تقنياً فحسب، بل رسالة إلى الأسواق بأن المخاطر خرجت عن السيطرة التشغيلية المعتادة. وهو يعكس إدراكاً مبكراً بأن الأزمة لم تعد مجرد توتر عسكري، بل تحولت إلى اضطراب في البنية اللوجستية العالمية.
هذه الحالة تكشف أيضا تحديا مهنيا أمام وسائل الإعلام: كيف يمكن تغطية أزمة ذات أبعاد عسكرية واقتصادية دون السقوط في فخ إعادة إنتاج الروايات الرسمية؟ التدقيق هنا لا يقتصر على سؤال “هل أُغلق المضيق؟”، بل يمتد إلى “من يملك القدرة الفعلية على تعطيله؟”.
مضيق هرمز اليوم ليس فقط ممرا بحريا، بل فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا بالسياسة، والعسكر بالمال، والخطاب الإعلامي بحسابات السوق.قد لا يُعلن أحد رسميا إغلاقه، لكن يكفي أن تعلن شركات التأمين انسحابها حتى يتحول إلى ممر محفوف بالمخاطر، وتتحول المنطقة بأسرها إلى بؤرة توتر اقتصادي عالمي.وفي زمن تتسارع فيه الأخبار المتضاربة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام حرب بيانات، أم أمام إعادة تشكيل صامتة لقواعد التجارة والطاقة في المنطقة؟

