سعيد ودغيري حسني
على إثر ما نشرته هسبريس على لسان أحمد الملولي منسق مجموعة مغاربة في الإمارات حول الدور الذي يمكن أن تضطلع به الكفاءات المغربية بالخارج في بناء مغرب 2030 ارتأيت أن أضيف إلى هذا النقاش بعض الأفكار والاقتراحات
ليس لأن ما قيل يحتاج إلى تصحيح
بل لأن الفكرة في حد ذاتها تستحق أن نذهب بها أبعد
فمغاربة العالم لم يعودوا مجرد أرقام في تقارير التحويلات المالية
ولم تعد علاقتهم بالوطن تختصر في موسم صيفي أو زيارة عائلية أو تحويل مالي يصل إلى حساب بنكي
مغاربة العالم اليوم هم امتداد حي للمغرب في القارات الخمس
فيهم الطبيب والمهندس والباحث والمقاول والفنان والإعلامي والأستاذ والمبرمج والخبراء في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والرياضة والثقافة
وفيهم أيضا شباب ولدوا خارج المغرب لكنهم يحملون في وجدانهم شيئا من هذا الوطن
وهنا تبدأ الفكرة الحقيقية
إذا كان المغرب يستعد لمغرب 2030 فعلينا أن نعيد تعريف مفهوم مغاربة العالم
نريد أن ننتقل من مغربي العالم كمصدر للتحويلات إلى مغربي العالم كشريك في صناعة المستقبل
نريد أن ننتقل من استقبال الأموال إلى استقبال الأفكار
ومن تحويل المدخرات إلى تحويل الخبرات
ومن طلب الاستثمار إلى صناعة الشراكة
ومن انتظار عودة الكفاءات إلى بناء جسور تجعلها حاضرة في المغرب حتى وهي تقيم خارجه
ولذلك أقترح إنشاء بنك وطني للكفاءات المغربية العالمية
بنك لا يحتفظ بالأسماء فقط
بل يعرف من هو الطبيب المغربي الموجود في باريس
ومن هو المهندس الموجود في دبي
ومن هو الباحث الموجود في كندا
ومن هو المستثمر الموجود في لندن
ومن هو الخبير في الذكاء الاصطناعي الموجود في أمريكا
ومن هو الفنان أو الإعلامي أو المبدع الذي يستطيع أن يجعل من المغرب قصة نجاح تصل إلى ملايين الناس
نحن لا نحتاج إلى معرفة عدد المغاربة في الخارج فقط
بل نحتاج إلى معرفة ماذا يستطيع هؤلاء المغاربة أن يقدموا للمغرب
وهنا يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة
مرحلة مغربي من أجل المغرب
يمكن للطبيب أن يؤطر عن بعد
ويمكن للمهندس أن ينقل تجربة
ويمكن للباحث أن يفتح بابا أمام جامعة مغربية
ويمكن لرجل الأعمال أن يربط شركة مغربية بسوق عالمي
ويمكن للفنان أن يصنع جسرا ثقافيا
ويمكن للشاب المغربي في الخارج أن يقدم فكرة لم يكن أحد قد فكر فيها من قبل
لماذا نطلب من الكفاءة أن تعود جسديا حتى نستفيد منها
دعونا نستفيد من عقلها أينما كان
هذه هي قوة التكنولوجيا
وهذه هي روح مغرب 2030
وأقترح أيضا إطلاق منصة وطنية تحت عنوان مغاربة العالم شركاء في مغرب 2030
منصة واحدة تجمع الكفاءات والمشاريع والفرص
وتربط المغربي بالخارج بالمؤسسة المغربية التي تحتاج إلى خبرته
وتربط المستثمر بالمشروع
والباحث بالجامعة
والخبير بالمقاولة
والفنان بالمؤسسة الثقافية
والشباب المغربي بالكفاءات المغربية الناجحة في الخارج
ثم لماذا لا نفكر في صندوق استثماري خاص بمغاربة العالم
يمنح المغربي بالخارج فرصة للمساهمة في مشاريع استراتيجية داخل الوطن
في الماء
والطاقة
والصناعة
والسياحة
والصحة
والذكاء الاصطناعي
والصناعات الثقافية
والرياضة
والاقتصاد الأزرق
وبذلك لا يصبح المغربي بالخارج مجرد مستثمر يبحث عن الربح
بل يصبح شريكا في صناعة الثروة الوطنية
بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك
لماذا لا يكون لكل قطاع استراتيجي مجلس من الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج
مجلس للطب
ومجلس للتكنولوجيا
ومجلس للاستثمار
ومجلس للرياضة
ومجلس للثقافة
ومجلس للبحث العلمي
ومجلس للذكاء الاصطناعي
تستفيد منه الدولة والمؤسسات والجامعات والمقاولات دون أن يكون موقع الكفاءة الجغرافي عائقا أمام مشاركتها
إن مغرب 2030 لا ينبغي أن يكون فقط مغرب الملاعب والطرق والفنادق
نريده مغرب الإنسان
مغرب المعرفة
مغرب الابتكار
مغرب الثقة
مغرب يفتح أبوابه لأبنائه في الخارج ويقول لهم
لا نريد أموالكم فقط
نريد عقولكم أيضا
لا نريد تحويلاتكم فقط
نريد تجاربكم وعلاقاتكم وأفكاركم
لا نريد منكم أن تعودوا جميعا
بل نريد منكم أن تجعلوا المغرب حاضرا في كل مكان أنتم فيه
وهنا يمكن أن تتحول الجالية المغربية إلى واحدة من أقوى أدوات القوة الناعمة للمملكة
فالمغربي المقيم في الخارج يستطيع أن يكون سفيرا لوطنه دون منصب دبلوماسي
ومستثمرا دون أن يغادر مكان إقامته
وخبيرا دون مكتب رسمي
وصوتا للمغرب في الجامعة والشركة والمختبر والإعلام والسوق العالمية
إننا أمام ثروة مغربية هائلة
ثروة بشرية قبل أن تكون مالية
وثروة معرفية قبل أن تكون اقتصادية
وثروة إنسانية لا ينبغي أن تختزل في الأرقام
ومن هنا فإنني أحيي هذه المبادرة وهذا النقاش الذي فتحه تصريح منسق مجموعة مغاربة في الإمارات
وأقترح أن يتحول النقاش من التصريحات إلى مشروع
ومن المشروع إلى منصة
ومن المنصة إلى شبكة وطنية عالمية
ومن الشبكة إلى قوة مغربية حقيقية
فمغرب 2030 لن يبنيه الذين يعيشون داخل المغرب وحدهم
بل سيبنيه أيضا أولئك الذين يحملون المغرب في قلوبهم وهم يعيشون في الخارج
وقد يكون أجمل ما يمكن أن نقدمه لمغاربة العالم هو أن نقول لهم
أنتم لستم خارج المغرب
أنتم جزء من المغرب الممتد في العالم
ومتى التقت هذه الطاقة البشرية الهائلة بإرادة وطنية واضحة وآليات ذكية للتواصل والاستثمار ونقل المعرفة
فلن يكون مغرب 2030 مجرد موعد رياضي عالمي
بل يمكن أن يكون موعدا تاريخيا لاكتشاف قوة أخرى للمغرب
قوة أبنائه المنتشرين في العالم
وقوة المعرفة التي يحملونها
وقوة الجسور التي يستطيعون بناءها
وقوة وطن يعرف كيف يحول أبناءه في الخارج من طاقة مشتتة إلى شبكة مغربية عالمية تصنع المستقبل

